الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 05:44 م
لا يمكن قراءة الخلاف الإماراتي–السعودي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا عن السوابق القريبة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فالمشهد يعيد إلى الأذهان، وبدرجة لافتة، سيناريو الأزمة القطرية–السعودية، ليس فقط في الشكل، بل في الإخراج السياسي والأهداف غير المعلنة.
تتشابه الأزمات الخليجية الحديثة في نمط إدارتها أكثر من تشابهها في أسبابها المعلنة. خلافات تُضخّم إعلاميًا، وتصعيد سياسي متدرّج، ثم استدعاء هواجس الأمن والتهديدات الخارجية، لينتهي الأمر دائمًا عند نقطة واحدة: سباق تسلّح محموم وصفقات عسكرية بمليارات الدولارات، تُبرم على حساب أولويات التنمية والاستثمار في الإنسان.
السؤال الجوهري هنا ليس: من المخطئ ومن المصيب؟ بل: من المستفيد؟
التاريخ القريب يشير إلى أن المستفيد الأول ليس شعوب المنطقة، ولا مشاريعها التنموية، بل أطراف خارجية تجيد هندسة الأزمات وإدارتها بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها صناعة السلاح التي تزدهر كلما اشتعل التوتر وارتفعت منسوبات الخوف.
إن استنزاف الموارد المالية لدول الخليج في صراعات سياسية قابلة للاحتواء، بدل توجيهها إلى التنويع الاقتصادي، والتعليم، والتكنولوجيا، يضع مستقبل المنطقة أمام مفارقة خطيرة: دول تملك الإمكانات، لكنها تُستدرج مرارًا إلى معارك جانبية لا رابح فيها.
لا يعني هذا إنكار وجود تباينات حقيقية في المصالح أو الرؤى بين الدول، فذلك أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن الخطير هو تحويل هذه التباينات إلى أزمات مفتوحة، تُدار بعقلية التصعيد بدل الحوار، وبمنطق الصفقات بدل الحلول.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من السلاح، بل إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب الأولويات، وتفكك الأزمات بدل إعادة إنتاجها. فاستقرار الخليج لا يصنعه السلاح، بل تصنعه الثقة، والتنمية، والقرار المستقل الذي يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات الآخرين.