السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 03:07 م
في السياسة، ليست كل الخطابات مجرد كلمات تُقال أمام الكاميرات، بل رسائل تحمل ملامح المرحلة القادمة، وتكشف الاتجاهات التي تُراد للشعوب والقضايا. وخطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، لم يكن استثناءً من ذلك، بل بدا واضحًا وصريحًا في تأكيده على مشروع “اليمن الواحد” وإعادة تقديم القضية الجنوبية ضمن إطار الدولة اليمنية ووحدتها السياسية.
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
هل ما سمعه الجنوبيون كان مجرد موقف شخصي للعليمي؟ أم أنه التعبير الأكثر وضوحًا عن الرؤية التي تُدار بها المرحلة من الرياض؟
البعض يحاول أن يقنع نفسه بأن خطاب العليمي جاء بمعزل عن الحسابات السعودية ، أو أنه لا يعكس التوجه الحقيقي للرياض. لكن السياسة لا تُقرأ بالعواطف وحدها، بل بمسار الأحداث، وبالنتائج التي تتشكل على الأرض بهدوءٍ شديد. فمنذ اشهر ، والجنوب يعيش حالة من إعادة الترتيب الممنهج؛ حكومة تُعاد صياغتها، مجلس قيادة يُفرض كبديل لمعادلات سابقة، تشكيلات عسكرية وأمنية يُعاد توزيعها، ومشهد سياسي يُدفع تدريجيًا نحو تفريغ القضية الجنوبية من مضمونها الوطني التحرري.
وفي قلب هذا المشهد، ظل الحديث عن “الحوار الجنوبي ـ الجنوبي” يتكرر كثيرًا، لكن دون أن يرى الجنوبيون إطارًا حقيقيًا مستقلًا يحفظ قرارهم الوطني. بل بدا الأمر وكأن التأخير المتعمد لهذا الحوار كان جزءًا من إدارة الوقت، حتى يتم إنهاك القوى الجنوبية وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع خارطة الطريق الجديدة.
المؤلم أكثر، أن بعض القيادات الجنوبية من الرياض ما زالت تراهن على إمكانية إنتاج حوار مستقل برعاية الرياض، رغم أن المؤشرات السياسية على الأرض تقول إن مخرجات أي حوار لن تكون بعيدة عن سقف الرؤية التي عبّر عنها خطاب العليمي نفسه. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
كيف يمكن لحوار يُراد له أن يكون “جنوبيًا” أن يولد داخل إطار محدد مسبقًا، وتحت سقف سياسي مرسوم سلفًا؟
إن الخشية الحقيقية ليست من الحوار بحد ذاته، فالحوار قيمة وطنية وإنسانية، بل من تحويله إلى أداة لإعادة تفكيك الهوية السياسية الجنوبية، وإلغاء الحوامل الوطنية الجامعة، لصالح تشكيلات مناطقية ضيقة لا تعبّر عن مشروع وطن، بل عن مصالح مؤقتة تُدار وفق توازنات اللحظة.
وما يحدث اليوم على الأرض يثير الكثير من القلق. فبدلًا من تعزيز الشراكة الوطنية الجنوبية، تتجه الأمور نحو صناعة كيانات محلية منفصلة عن البعد الوطني الجامع، وكأن الجنوب يُعاد تشكيله على هيئة جغرافيا ممزقة لا مشروع سياسي موحد لها.
إن أخطر ما قد يواجهه الجنوبيون اليوم ليس الخصومة السياسية، بل فقدان البوصلة الوطنية. فعندما يدخل السياسي إلى أي حوار بلا حامل سياسي واضح، ولا مشروع وطني جامع، يتحول من ممثل لقضية إلى مجرد فرد داخل معادلة أكبر منه، لا يملك فيها القرار ولا القدرة على تغيير المسار.
ولذلك، فإن كثيرًا من الأصوات الجنوبية الحريصة باتت تتساءل بحزنٍ صادق:
هل أصبح المطلوب من الجنوب أن يتخلى تدريجيًا عن مشروعه الوطني؟
وهل يُعاد إنتاج المشهد بحيث تُختزل القضية الجنوبية في ترتيبات إدارية وسياسية لا تمس جوهر القضية ولا تضحيات شعبها؟
لا أحد يرفض السلام، ولا أحد يرفض الحوار، لكن السلام الحقيقي لا يُبنى على تذويب القضايا، والحوار الحقيقي لا يُولد من رحم الإقصاء أو الوصاية. فالجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة عبر سنوات طويلة، لا يمكن اختزاله في مشهد سياسي عابر أو تسوية مؤقتة تُفرض تحت ضغط الإقليم وتعقيدات المرحلة.
إنها لحظة تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة، والصدق مع النفس قبل أي شيء آخر. فالتاريخ لا يرحم المترددين، ولا يغفر لمن يفرطون بالقضايا الكبرى تحت عناوين براقة تخفي وراءها إعادة تشكيل المشهد وفق مصالح الآخرين.
ويبقى السؤال معلقًا في وجدان كل جنوبي:
هل ما يجري اليوم هو طريق نحو شراكة عادلة تحفظ كرامة الجنوب وقضيته؟
أم أننا أمام مرحلة جديدة يُراد فيها إعادة تعريف الجنوب بما يناسب الآخرين لا بما يريده أبناؤه؟