الأربعاء - 08 يوليو 2026 - الساعة 06:11 م
عندما تتحول أحكام الإعدام الصادرة بحق قتلة ومجرمين إلى مجرد أسماء في قوائم تبادل أسرى، وعندما تصبح دماء الشهداء ورقة تفاوض تُطرح على طاولة الصفقات السياسية، فعندها نكون قد وصلنا إلى منعطف خطير في مسار العدالة في اليمن.
ما تطرحه أسر شهداء شبوة اليوم ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو صرخة مدوية في وجه منظومة تتهاوى مفاهيمها الأخلاقية والقانونية. إن إدراج مدانين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية بالإعدام والسجن في قضايا اغتيال وإرهاب، ضمن صفقة تبادل الأسرى، يمثل طعنة نافذة في جسد القضاء اليمني الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير للضعفاء والمظلومين.
لقد سلك أولياء الدم الطريق القانوني منذ اللحظة الأولى، واحتكموا للقضاء، وصبروا على طول الإجراءات، وانتظروا سنوات حتى صدرت الأحكام التي أنصفتهم. واليوم، وبينما كانوا ينتظرون تنفيذ العدالة، فوجئوا بأن جلاد أبنائهم قد يكون على وشك الإفراج عنه تحت مسمى "صفقة إنسانية"! فأي إنسانية هذه التي تضع الجلاد في مرتبة الأسير، وتجعل الضحية مجرد رقم في معادلة سياسية؟
إن خلط الأوراق بين أسرى الحرب والمجرمين المدانين بجرائم إرهابية هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه. فأسرى الحرب لهم وضعهم القانوني والإنساني، أما القتلة والمجرمون الذين أزهقوا أرواحاً بريئة وتسببوا في مآسي لعشرات الأسر، فأولئك ليسوا أسرى، بل مجرمون يجب أن ينالوا جزاءهم العادل.
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن بعض هذه الأحكام صدرت عن محاكم جزائية في عدن والمكلا، في مناطق تخضع لسلطة الحكومة الشرعية، مما يعني أن الإفراج عن هؤلاء المدانين سيكون بمثابة إعلان رسمي عن عدم احترام الحكومة لأحكام قضائها، ورسالة صارخة بأن العدالة في اليمن يمكن شراؤها أو تسييسها.
اليمن اليوم بأمس الحاجة إلى مؤسسات عدالة قوية ومستقلة، وإلى رسالة واضحة بأن دماء الشهداء ليست رخيصة، وأن القصاص حق مقدس لا يسقط بالتقادم ولا يباع في مزادات الصفقات السياسية. إن إضعاف هيبة القضاء بتمرير مثل هذه الصفقات سيفتح الباب أمام الفوضى، وسيدمر الثقة المتبقية بين المواطن والدولة.
نعم، إن إطلاق سراح أسرى الحرب مطلب إنساني نبيل، ولكن ليس على حساب دماء الشهداء، وليس بتسوية أوضاع مجرمين حكمت عليهم المحاكم بالإعدام. فمن يريد الإنسانية فليبدأ بالضحايا، ومن يريد السلام فليبنه على أسس من العدالة، لا على حساب حقوق أولياء الدم الذين ينتظرون القصاص العادل منذ سنوات.
أسر شهداء شبوة اليوم تطلب ما هو حقها المشروع، وتدعو إلى وقفة احتجاجية غداً الخميس في عتق. إن وقوف أبناء المحافظة خلفهم ليس مجرد دعم لعائلة بعينها، بل هو دفاع عن مبدأ العدالة بأكمله، وعن رسالة مفادها أن اليمن دولة قانون، وأن دماء أبنائها ليست سلعة رخيصة في سوق السياسة.
فهل يستمع صناع القرار إلى هذه الصرخة قبل فوات الأوان؟ أم أننا سنشهد مأساة جديدة بإطلاق سراح قتلة ليعودوا إلى صفوف الجماعات الإرهابية، في تكرار مأساوي لسيناريوهات سبق أن أدمت القلوب وأرخت الظلال على مستقبل اليمن؟
الوقت ينفد، والعدالة تترنح، ودماء الشهداء تنظر إلينا من عليائها، تسأل: هل سننتصر اليوم أم سنخون أمانة الدماء؟