الخميس - 17 سبتمبر 2026 - الساعة 01:17 م
لم نصل إلى هذا الوضع الصعب من فراغ، ولم نجد أنفسنا عاجزين عن توفير قوت أولادنا بين ليلة وضحاها. هناك سنوات من العمل، والتعب، والمواقف، والتمسك بمهنة اخترنا أن نمارسها كما ينبغي أن تُمارس: بضمير مهني، وقلم مستقل، وكلمة لا تخضع للمساومة.
أنا صحفي مستقل، لم أمارس الصحافة يومًا مع طرف ضد طرف، ولم أجعل قلمي أداة لتصفية الحسابات أو خدمة جهة على حساب أخرى. كنت، وما زلت، أرى أن انحياز الصحفي يجب أن يكون للحقيقة، وأن مهمته الأساسية هي قول كلمة الحق، ونصرة المظلوم، وانتقاد الخطأ، والإشادة بالعمل الإيجابي، أيًا كان صاحبه.
لم نتقن يومًا صناعة الصور الجميلة التي تخالف الواقع، ولم نقبل أن يتحول القلم إلى وسيلة لتجميل الأخطاء أو تبرير الإخفاقات.
رفضنا أن يكون قلمنا موجهًا أو مأجورًا، وأن نكتب ما يُملى علينا، ولذلك دفعنا ثمن استقلاليتنا.
لم يكن ثمن ذلك مجرد تجاهل أو إهمال، بل وصل الأمر إلى العداء والملاحقات والجرجرة إلى النيابة العامة والمحاكم. لم يكن ذنبنا سوى أننا حاولنا أن نكون مرآة تعكس الواقع كما هو، وأن نقول للسلطة ما لا يستطيع كثيرون قوله، ونشير إلى أخطائها انطلاقًا من قناعة بأن النقد ليس عداءً، وأن كشف الخلل ليس إساءة، وأن الصحافة حين تنتقد إنما تؤدي إحدى أهم وظائفها.
فالصحافة، في جوهرها، ليست مهنة لنقل الأخبار فقط؛ إنها مسؤولية تجاه المجتمع. هي عين تراقب، وصوت ينقل معاناة الناس، ومنبر يضع المسؤول أمام أخطائه، ووسيلة لكشف الفساد ومنع استغلال السلطة، وتقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة للمواطنين، وإيصال أصواتهم ومشكلاتهم إلى أصحاب القرار.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح هذا الصوت غير مرغوب فيه؟
يصبح الصحفي المستقل مزعجًا.
ومع مرور الوقت، وجدنا أن الاستقلالية التي اعتبرناها شرفًا مهنيًا تحولت إلى عبء ندفع ثمنه وحدنا. لا أحد يريد أن يقترب كثيرًا من صحفي يخشى السلطة، ولا أحد يرغب في دعم صوت قد يسبب له المتاعب. وفي النهاية، وجدنا أنفسنا بلا سند حقيقي.
ولم نحصل على دعم من أي جهة يمكن أن تساعدنا على الاستمرار في عملنا الصحفي.
عندما تتحول الصحافة إلى عمل بلا أجر
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت صناعة الإعلام كثيرًا. أصبح الصحفي ينشر محتواه عبر صفحته الخاصة، ثم تتلقفه المواقع الإخبارية والصحف والقنوات وصفحات التواصل الاجتماعي.
نحن لا نتقاضى راتبًا من صحيفة، ولا من موقع إخباري، ولا من قناة فضائية. نعمل بإمكاناتنا المحدودة، وننفق من وقتنا وجهدنا ومالنا لإنتاج المحتوى الصحفي.
ومع ذلك، يستفيد الآخرون من هذا المحتوى.
ما ننشره يُنقل، وما نكتبه يُعاد نشره، وأحيانًا يُجرى عليه بعض التعديل ثم يقدم للجمهور وكأنه إنتاج جديد.
وفي النهاية، يبقى صاحب المحتوى الأصلي هو الأقل استفادة منه.
الصحفي صالح حقروص يتحمل الجهد والتعب والإرهاق والعناء، بينما تتوزع الفائدة على الآخرين.
ولعل أكثر ما يلخص هذه المفارقة هو ما يصلني من فيسبوك نفسه من أرقام تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها نجاح كبير:
بلغ عدد المشاهدات 1,400,000 مشاهدة بنسبة 100%، وبلغ التفاعل 77,000 تفاعل بنسبة 6%.
أرقام كبيرة، ومشاهدات بالملايين، وتفاعل بالآلاف، ومتابعون جدد...
ثم تأتي الخانة الأهم بالنسبة لمن يحاول أن يجعل من الصحافة مصدرًا للعيش:
الأرباح التقريبية: 0,000 دولار.
وهنا لا تعود الأرقام مجرد إحصاءات على شاشة، بل تصبح سؤالًا حقيقيًا عن جدوى الاستمرار.
هل تستطيع الشهرة أن تطعم أسرة؟
بالتأكيد لا.
فالصحفي، مثل أي إنسان، لديه أسرة وأطفال واحتياجات ومسؤوليات. ولا يمكن أن تتحول الشهرة إلى راتب، ولا أن يصبح عدد المتابعين بديلًا عن مصدر دخل، ولا أن تكفي الإشادات وحدها لتوفير الخبز والدواء والتعليم ومتطلبات الحياة.
قد تصل منشوراتك إلى مئات الآلاف أو الملايين، وقد تتصدر أرقام المشاهدة والتفاعل، لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أن الصحفي يستطيع أن يدفع إيجار منزله أو يشتري احتياجات أطفاله.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
أن تكون حاضرًا أمام الملايين، لكنك عاجز عن تأمين أبسط احتياجات أسرتك.
قرار لم يكن سهلًا
لهذا السبب، وبعد سنوات من العمل الصحفي، وجدنا أنفسنا أمام قرار لم نكن نرغب في الوصول إليه: التوقف عن ممارسة الصحافة والبحث عن عمل آخر نستطيع من خلاله توفير قوت أولادنا وتأمين احتياجات أسرنا.
لم نتوقف لأننا فقدنا الإيمان بالصحافة، ولم نندم على كلمة حق قلناها، ولا على موقف اتخذناه دفاعًا عن مظلوم أو كشفًا لخطأ.
لكن الحقيقة أن المبادئ وحدها لا تدفع إيجار المنزل، ولا تشتري الطعام، ولا توفر احتياجات الأطفال.
قد يستطيع الإنسان أن يتحمل الفقر فترة، وأن يصبر على الضغوط، وأن يدفع ثمن مواقفه، لكنه في لحظة معينة يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر من قدرته على الاحتمال: مسؤولية أسرته وأطفاله.
ربما يكون التوقف عن الصحافة خسارة شخصية لنا، لكنه في الوقت نفسه يكشف مشكلة أكبر تتجاوز شخصًا بعينه: ماذا يحدث للصحافة المستقلة عندما لا يجد الصحفي المستقل من يحميه أو يدعمه أو يضمن له الحد الأدنى من العيش الكريم؟
نحن لا نطلب امتيازات، ولا نبحث عن مكاسب خاصة.
كل ما أردناه أن نمارس مهنتنا بكرامة، وأن يبقى قلمنا حرًا، وأن نستطيع في الوقت نفسه أن نعيش من هذا العمل.
لكن عندما يصبح ثمن استقلال القلم هو حرمان الأسرة من أبسط احتياجاتها، يصبح الاستمرار قرارًا بالغ الصعوبة.
ومع ذلك، سيبقى ما تعلمناه طوال سنوات عملنا حاضرًا:
الحقيقة لا تحتاج إلى تجميل، والصحافة لا ينبغي أن تكون مأجورة لأحد، والقلم الذي يفقد استقلاله يفقد معه أهم قيمة تمنحه معنى.
اليوم نبحث عن عمل آخر يوفر لنا قوت أولادنا، لكن ذلك لا يعني أننا تخلينا عن إيماننا برسالة الصحافة.
تركنا المهنة، لكن ما كتبناه وما قلناه وما وثقناه سيبقى شاهدًا على مرحلة حاولنا فيها أن نقول الحقيقة كما رأيناها، لا كما أراد الآخرون أن تكون.
نغادر فيسبوك… وحين تصبح جهودنا ذات قيمة، سنعود.
الصحفي صالح حقروص
2026/9/17م