الأحد - 29 مارس 2026 - الساعة 04:54 م
في لحظة سياسية مشحونة، يأتي بيان المجلس الانتقالي الجنوبي ليكشف عمق الأزمة التي لم تعد خافية على أحد في عدن وبقية مناطق الجنوب. فالقضية لم تعد مجرد إغلاق مقرات أو خلاف إداري عابر، بل تعبير واضح عن خلل أعمق في بنية السلطة وتضارب في مراكز القرار.
ما يلفت في البيان ليس فقط مضمونه، بل توقيته ولغته. فهو يصدر بعد ما وصفه المجلس بمحاولات تواصل واستنفاد للوسائل السياسية، ليضع الجميع أمام اتهام صريح: غياب المسؤولية، بل وربما وجود نية مبيتة لإقصائه من المشهد. هذا الطرح يعكس شعوراً متزايداً لدى المجلس بأنه لم يعد شريكاً كاملاً في المعادلة، بل طرفاً يتم التعامل معه بانتقائية.
في المقابل، فإن حالة “التنصل الجماعي” التي أشار إليها البيان تكشف عن أزمة ثقة حقيقية داخل مكونات السلطة. سلطة لا تعترف بقراراتها، أو لا تملك القدرة على توضيح من يقف خلفها، هي سلطة تعاني من ارتباك خطير، وقد تدفع ثمنه على الأرض في شكل احتقان شعبي أو انفلات سياسي.
دعوة المجلس إلى الاحتشاد السلمي يوم الاربعاء 1 أبريل 2026 تحمل دلالتين متوازيتين: الأولى، محاولة استعادة زمام المبادرة عبر الشارع، والثانية، توجيه رسالة بأنه لا يزال يراهن على العمل الجماهيري كوسيلة ضغط. غير أن هذا الخيار، رغم سلميته المعلنة، يظل محفوفاً بالمخاطر في بيئة مشحونة، حيث يمكن لأي احتكاك بسيط أن يتحول إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.
الأخطر في البيان هو ما بين السطور: الحديث عن استهداف “القضية الجنوبية” وتفكيك قواتها، وهي إشارات تتجاوز الخلاف الحالي لتلامس جوهر المشروع السياسي للمجلس. مثل هذه اللغة تعني أن الأزمة لم تعد تكتيكية، بل تمس الأسس التي يقوم عليها التوافق الهش في الجنوب.
ومع ذلك، فإن الإصرار على النهج السلمي يظل نقطة إيجابية لا يمكن تجاهلها. فكل الأطراف تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لن يخدم أحداً، بل سيعيد إنتاج الفوضى التي دفع الجميع ثمنها سابقاً. لكن السلمية، لكي تبقى خياراً قابلاً للحياة، تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح بالتعبير والحوار، لا إلى إجراءات تزيد الاحتقان.
في النهاية، يبدو أن الجنوب يقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما الذهاب نحو احتواء الأزمة عبر وضوح في المسؤوليات وفتح قنوات الحوار، أو الاستمرار في سياسة الغموض والتجاهل، وهي وصفة مضمونة لمزيد من التصعيد. وبين هذا وذاك، يبقى الشارع هو العامل الأكثر حسماً، لكنه أيضاً الأكثر خطورة إذا خرجت الأمور عن السيطرة.