الجمعة - 15 مايو 2026 - الساعة 03:38 م
خبرٌ فاجعٌ تناقلته اليوم وسائل الاعلام والمواقع الصحفية والإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي . . . خبر وفاة القائد النقابي المناضل الأكتوبري الفقيد راجح صالح ناجي .
توقف قلب راجح وصاحبه صامتٌ صمت الأولياء الصالحين، وزاهدٌ في الحياة ومغرياتها الزائفة زهد المتصوفين، . . لم يكتب أحدٌ عن مرضه ومعاناته أو عن تنقله بين المستشفيات الأجنبية والعواصم العالمية بحثا عن العلاج والاستجمام، لأنه لا يحب الضجيج ولا يلوذ بصخب الدعايات والجري وراء المغريات ، . . . تغيب راجح عن الإعلام وهو الذي كان اسمه وصوته يملآن الافق ذات زمنٍ، لكن راجح اختار المنفى الداخلي وابتعد عن الناس وعن الأضواء وعن وسائل الإعلام وعن ضجيج السياسة وصخب الميديا، وفضَّل الاعتكاف في منزله بمدينة عدن الحبيبة قانعًا بحفنة الريالات التي تبقت له من الراتب المستحق والتي تاتي شهرا وتنقطع أشهرا بعد أن تضاؤلت قيمتها ولم تعد تكفي لتسديد فاتورة الكهرباء التي لا تأتي والماء الملوث وبعض أرغفة الخبز التي تزداد نحافةً وفقرًا.
راجح هو ابن الحركة النقابية العمالية في عدن الحبيبة منذ مطلع الستينات من القرن الماضي، بدأ حياته عاملًا بسيطًا في احدى الورش في مدينه عدن وصار رئيسَ لجنةٍ نقابيةٍ وانخرط في الحركة السياسية والوطنية خلال ستينات القرن الماضي وكان فاعلًا ميدانيًا قويًا في كل المنعطفات والمواقف التي مرت بها حركتنا الوطنية التحررية، قبل الاستقلال ثم بعد الاستقلال من خلال حضوره القوي في مراحل البناء الوطني؟
كان راجح إحدى الشخصيات الوطنية الراجحة والبارزة وأحد الأصوات النقابية المميزة طوال فترة حياته السياسية والنقابية،
تدرج فقيدنا في المسؤوليات النقابية حتى غدا أمينًا عامًا للاتحاد العام لنقابات عمال جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وفي زمنه كما في زمن اسلافه وزملائه من المناضلين كعبد القادر أمين ومهدي عبد الله سعيد و سلطان الدوش وفضل علي عبد الله وغيرهم كانت الحركة النقابية واحدًا من الأعمدة الأساسية في البنية الوطنية والاجتماعية في النظام الوطني الفتي، فقد كان صوت الطبقة العاملة قويًا وحاضرًا من خلال اتحاد نقاباتها، وكان راجح ورفاقه من ممثلي الحركة النقابية العمالية المعبرين الأوفيا عن مصالح الطبقة العاملة والمدافعين عنها.
بعد انتخابات مجلس الشعب الأعلى في العام 1988م ترقى الفقيد ليصبح عضوًا في هيئة رئاسة مجلس الشعب الاعلى وهي أعلى هيئة في نظام الحكم آنذاك .
لم يكن راجحٌ هو اسمه فقط، بل لقد كان راجحًا في انحيازه إلى قضايا الحرية والانتماء الوطني ونصرة الحق والعدل والمواطنة المتساوية ودولة النظام والقانون.
لم يطمع راجح قط بمصالحَ شخصية ولم يمارس روح الانانية السياسية، بل لقد كان زاهدًا في مقتنيات الحياة الدنيا الفانية، وكان يأخذ من الحياة أقل ما فيها من المتاع لكنه كان ذا علاقات اجتماعية وسياسية ووطنية وإقليمة ودولية واسعة حيث مكنه حضوره السياسي والوطني من نسج علاقات متينه مع سائر الشرائح الاجتماعية على طول الساحة الجنوبية ومع ممثلي الحركة النقابية العربية والعالمية.
بعد العام ١٩٩٠م صار راجح رئيسًا للاتحاد العام للنقابات عمال اليمن، وتولى زميله يحيى الكحلاني مهمه الامين العام لهذا الاتحاد الذي جرى دمجه دمجا عشوائيا ، كما جرى دمج كل شيء في البلاد بتلك الطريقه غير المحمودة وغير المدروسة، ولم تبق تلك الحالة سوى سنوات ثلاث ليجري مع فقيدنا المناضل الوطني والنقابي العتيد ما جرى مع كل الكوادر الجنوبية من استبعاد وإقصاء تهميش وتجاهل، وليغدو واحدًا ممن اخرجوا من المشهد واقصوا من الحياة الاجتماعية والسياسية والنقابية بالإكراه وليُعاملو داخل وطنهم معاملة الأعداء.
أثنا حرب العدوان أُجبِر فقيدنا على النزوح إلى خارج البلاد ضمن مئات آلاف المبعدين من القادة والكوادر السياسية والعسكرية الجنوبية، لكن راجح المدمن على رائحة الارض والمولع بحب ترابها لم يستطع البقاء طويلًا في الخارج، وعاد بعد شهور من كارثة الحرب الاجرامية ليبقى في منزله في مدينة عدن مواصلًا نشاطه السياسي في اطار الحزب الاشتراكي الذي عانى هو الاخر وكل كوادره من التهميش والتطفيش والاستبعاد والاقصاء.
وربما شعر الفقيد ان الحياة السياسية الممتلئة بالمفاسد والموبقات والملوثات وامراض المزايدات والانتهازيات لا تصلح له ولأمثاله وهو الذي نشأ وترعرع وكبر وترقى على ثقافة الانتماء والنزاهة والصدق والوفاء مع الوطن واهله، ولذلك اعتكف في السنوات الاخيرة ولم يعد صوته يسمع ليس لأنه لا يملك ما يقول أو ما يفعل ، ولكن لان الفضاء صار فضاء اخر لا يتسع إلا للانتهازيين والمزايدين واصحاب الشطح السياسي ومقتنصي الفرص.
تالّمت كثيرًا وأنا أسمع بنأ وفاة هذا الرجل الذي اعطى حياته كل حياته للوطن، ولم ياخذ منه الا منزلًا قديمًا ظل يدفع اقساط قيمته سنواتٍ وسنوات.
إنني بهذا الحدث الأليم عزي نفسي اولًا بفقدان قائد ورفيق مثل بالنسبة لي مثلاُ في النزاهة والاستقامة والتواضع والكبرياء الوطنية، واعزي اسرة الفقيد واخوانه محمد وحسين وجميع اهله وذويه كما اعزي رفاقه وزملائه ومحبيه ورؤسائه ومرؤوسيه من رواد ومنتسبي الحركة النقابية الجنوبية وجميع محبيه.
كما أتوجه بالتعزية إلى الدكتور عبد الرحمن السقاف الامين العام للحزب الاشتراكي وجميع قيادات وقواعد الحزب في المركز وفي المحافظات مبتهلًا الى الله العلي القدير ان يرحم فقيدنا وان يمن عليه بالمغفرة والرضوان وان يسكنه جنات النعيم مع الشهداء والصديقين والاولياء الصالحين وان يمنَّ على جميع أهله وذويه ومحبيه بالصبر والسلوان والثبات.
ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
وانا لله وانا اليه راجعون