السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 06:49 م
في السياسة، كما في الحياة، نادراً ما تُصنع الكوارث من العدم. غالباً ما تأتي مُعلبةً في قوالب قديمة، مع تغيير بسيط في الأسماء والوجوه. الذي يحدث اليوم في الجنوب العربي، على يد بعض القيادات المؤثرة، هو أشبه بإعادة عرض فيلم قديم شاهدناه قبل ثلاثة عقود، بطلاه: نظام علي عبد الله صالح من جهة، والرياض من جهة أخرى.
هل نسينا ما فعله "عفاش" بعد الوحدة عام 1990؟ تلك السياسة التي اعتمدت على "شراء الذمم" عبر السيارات الفاخرة والشقق في صنعاء، لإلهاء أبناء الجنوب عن وطنهم وهمومه الحقيقية. لم يستيقظ الجنوبيون إلا على وقع انفجارات حرب صيف 1994، ليكتشفوا أنهم خُدعوا، وأن الشمال قد استعد جيداً لاحتلالهم بعد أن تم تفكيك صفوفهم من الداخل.
اليوم، وللعجب، تتكرر نفس اللعبة، لكن برعاية سعودية وبجرأة أكبر. فالرياض تمنح أموالاً ورفاهية "سبع نجوم" لقيادات جنوبية مؤثرة، في مشهد يبعث على السخرية والمرارة معاً. الفارق الجوهري أن العداء والغدر اليوم ليسا خفيين كما كانا في الماضي، بل أصبحا علناً وصريحين أمام أعين هذه القيادات نفسها! فكيف يمكن لأي عاقل أن يبيع وطنه لمن يعلن عداوته له في وضح النهار؟
لنتحدث بواقعية. السعودية، التي رعت اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 ووقعت ضامنةً له، لم تلتزم به يوماً. بل إنها عملت طوال السنوات الست الماضية على تعطيل بنوده الأساسية، وأهمها نشر القوات المسلحة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة. وعندما حاولت هذه القوات تحقيق حقها المكفول بوسائلها الذاتية بعد تعثر ذلك سلمياً، فوجئت بقصف سعودي غادر قتل المئات من أبناء الجنوب، وتم إخراجهم بالقوة من تلك المحافظات.
السؤال هنا: هل هذا هو سلوك "الحليف" و "الضامن"؟ أم أنه دليل قاطع على أن السعودية كانت دوماً، ولسنوات طويلة، ضد استقلال الجنوب واستعادة دولته على حدود ما قبل 1990؟
إن الإجابة واضحة كالشمس. ما تفعله الرياض اليوم ليس خطأ تكتيكياً، بل هو استراتيجية محكمة تهدف إلى إبقاء الجنوب تحت السيطرة الشمالية ضمن معادلة الوحدة اليمنية، لضمان النهب المنظم لثرواته. إنها تريد قيادات جنوبية "مرفهة" لكنها معزولة عن جماهيرها، قيادات تنسى وطنها لأنها غارقة في "الإقامات الفاخرة".
لذلك، وجهت هذه الكلمات إلى القيادات الجنوبية التي قبلت الإغراءات: كونوا على يقين بأن هذه الأموال ليست حباً في سواد أعينكم، إنما ثمناً لصمتكم وتخليكم عن قضية شعب بأكمله. انتظروا اللحظة التي ستدركون فيها أنكم مجرد أداة في لعبة أكبر منكم، وأن نهاية كل من يُشترى دائماً تكون مؤلمة، كما رأينا مع رموز الماضي.
الجنوب العربي اليوم أكثر وعياً مما كان عليه في 1994. والشمس لا يمكن تغطيتها بغربال، مهما كانت سماكة "الرفاهية" المقدمة.