مقالات


الجمعة - 17 يوليو 2026 - الساعة 02:29 م

الكاتب: انسام عبدالله - ارشيف الكاتب



​في خضم الصراعات السياسية في المناطق المحررة، برزت ظاهرة تسريب "فيديوهات الاعتداء الجنسي" في مراكز الإحتجاز لعدد من الضحايا "المفترضين" ..إذ تعد هذه الظاهرة ليست مجرد "سبق إعلامي"، بل هي انزلاقٌ خطير نحو منطقة تُنتهك فيها الكرامةُ مرتين ! مرة على يد الجاني، ومرة على يد "الاستهلاك الرقمي" الذي يمارسه المجتمع المتلهف لهكذا "محتويات خادشة للوعي الجمعي اليمني المؤمن بالأخلاق كحد أسمى لجميع التعاملات الإنسانية ..

إن لغة العقل تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة من منظور علمي "قيمي" وحقوقي! لننتقل من ثقافة "التشهير" إلى ثقافة "التمكين"..

​أولاً: ميكانيكا "التطبيع" والانهيار الأخلاقي :

​من الناحية النفسية يشير عالم النفس ألبرت باندورا إلى أن الأفراد يتقبلون العنف عندما يتم "تجريد الضحية من إنسانيتها" ! ففي الفضاء الرقمي، يعمل تكرار مشاهدة الفيديوهات المسربة كعملية "إزالة تحسس" حيث تؤدي المشاهد الصادمة إلى تقليل الاستجابة العاطفية الطبيعية (التعاطف، الصدمة، الغضب).
​وعلى مستوى الناشئة والشباب، فإن هذا الإنكشاف المبكر وغير المراقب على مشاهد الانتهاك يُعد "تسميماً للوعي" ! إن الطفل والشاب—الذي لا يزال في مرحلة تشكل منظومته القيمية—حين يشاهد هذه الفيديوهات .. ينمو لديه "إدراك مشوه" للواقع، حيث يصبح العنف والإعتداء جزءا من المألوف.. حيث أن هذا التكرار يحول المشاهد من "مستنكر للجريمة" إلى "متقبلٍ محتملٍ لها"، بل وقد يغرس في العقل الجمعي للشباب فكرة أن "القوة والبطش" هما الطريقة الوحيدة لإنتزاع الحقوق أو فرض السيطرة، مما يفرز جيلا تائها يفقد بوصلته الأخلاقية..

​كما يرى عالم الاجتماع إرفينج جوفمان أن الفضاء العام هو مسرح لضبط السلوك ، ومع انتشار هذه التسريبات، تحطم هذا المسرح، ليتحول المجتمع من "مراقب حامٍ للقيم" إلى "متفرجٍ محايد"!! وهو أخطر مستويات التطبيع الإجتماعي الذي يفقد الشعب الأمل في مؤسساته.

​ثانياً: القيم كحائط صدٍ أخلاقي
​إن مجتمعنا "المحافظ" والمشتت بين عديد أنواع من الحروب المختلفة لم يتبقَ له سوى قيمه ومروءته ! وفي نصوصنا الدينية توجيهٌ إلهي فائق الحكمة، يقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (سورة النور: 30).

إن حصانة البصر هنا ليست مجرد نصٍ تعبدي، بل هي دستورٌ لحماية المجتمع من التلوث البصري، وحمايةٌ للأطفال من الإنحراف النفسي قبل الأخلاقي..إن نشر الفيديوهات ليس "كشفا للحقائق"، بل هو "سادية رقمية" تفرغ العدالة من معناها، وتزيد من عزلة الضحية بدلا من إنصافها ..

​ثالثاً: الخطوة الإجرائية "البديلة" تأسيس "مرصد العدالة للانتهاكات"

​بصفتي إعلامية وباحثة، أرى أن الخطوة الأولى إعلاميا تكمن في "تنظيم الضغط" عبر تأسيس "مرصد العدالة للانتهاكات غير المباشرة" يتبناه حقوقيون وقانونيون لهم باع في هذا المجال .. وفق الآتي:

​التحول نحو "التوثيق الصامت" واستقبال الفيديوهات والشهادات في قنوات مشفرة لغرض التوثيق القانوني، لا للنشر العام.

​صياغة "التقرير التراكمي"و تحويل الانتهاكات المبعثرة إلى تقارير حقوقية دورية تصدر باسم تحالف إعلامي، تُوجه للجهات الرسمية، مع الإشارة لوجود "أدلة موثقة" دون عرضها للعامة.

​إطلاق حملة "أين العدالة؟" عن طريق استبدال الفيديوهات المروعة بمحتوى بصري (رسوم كرتونية، إنفوجرافيك) يشرح حقوق السجين ومسؤولية الدولة، واستقدام أطباء نفسيين واستشاريين لإدارة حلقات نقاشية حول سبل التعافي والضغط القانوني الصحيح.

​الوساطة المهنية بتبني خطاب إعلامي موحد يضع المسؤولين أمام حرجٍ أخلاقي وقانوني، ويجبرهم على التحرك فورا، مما يعيد للمواطن الثقة بوجود "مؤسسة" تدافع عنه، لا مجرد حسابات شخصية !

​ختاما ..

​إن مواجهة هذه الظاهرة لا تستقيم بالإستنكار الإنفعالي، بل بالمقاومة الأخلاقية الفردية والتحول من دور "ناقل الصورة" إلى "حارس الحق"..

​إننا كأفراد في هذا المجتمع مطالبون بالوقوف كجدارٍ صلب يطالب بالعدالة عبر القنوات الرسمية، لا عبر خيارات الفوضى ! لنكن صوتا للضحايا لا صوتا للمأساة.. ففي لحظة الفوضى العارمة، تظل نزاهتك الفردية والتزامك بالقيم هما الفعل الثوري الحقيقي لإستعادة الأمل في دولة يحكمها القانون، لا "التريند" ! ولنتذكر دائماً أن حماية أطفالنا من هذا القبح هي معركتنا الكبرى لضمان مستقبلٍ لا يعتبر فيه الاعتداء "سبقا" ، بل يعتبر جريمةً لا تُغتفر..