انفوجرافيك | المحرّمي يبحث مع الوزير باذيب استراتيجية تطوير الأداء المؤسسي في قطاعي التخطيط والاتصالات

انفوجرافيك| المحرّمي يطلع على أوضاع الخطوط الجوية اليمنية ويؤكد ضرورة النهوض بقطاع الطيران

انفوجرافيك| المحرّمي يناقش مع وزير الدفاع مستجدات الأوضاع العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية





مقالات


الخميس - 13 أغسطس 2026 - الساعة 03:14 م

الكاتب: صالح حقروص - ارشيف الكاتب




منذ حرب 1994، ظلّت القضية الجنوبية واحتلالٍ الشمال للجنوب واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد اليمني، وفي قلب هذا المشهد برز الدور السعودي بوصفه عاملًا مؤثرًا في مسار الأحداث. وللاسف الشديد، لم تتعامل السعودية مع تطلعات ابناء الجنوب إلى الاستقلال واستعادة دولتهم وعاصمتها عدن باعتبارها قضية شعب، بقدر ما تعاملت معها كورقة سياسية يمكن توظيفها لخدمة مصالحها وحساباتها الإقليمية.
وخير دليل على ذلك اتفاق ترسيم الحدود اليمنية السعودية عام 2000 ألذي شكّل محطة مهمة في إعادة ترتيب المواقف السعودية تجاه الملف اليمني، وأن الرياض فضّلت في مراحل مختلفة الحفاظ على توازنات الشمال ومنع قيام دولة جنوبية مستقلة يمكن أن تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.
لكن السياسة لا تسير دائمًا وفق ما يريده أصحابها. فالصراعات التي تُدار لعقود، والظلم الذي يتراكم، لا يمكن أن يبقيا بلا نتائج. وما حدث في الجنوب منذ عام 1994 من صراع وإقصاء ونهب وانتهاكات، ترك جرحًا عميقًا في الذاكرة السياسية والاجتماعية، وأسهم في إنتاج واقع جديد لم تعد معه معادلات الماضي قابلة للاستمرار.
ومع سقوط نظام صنعاء وتحوّل ميزان القوة داخل الشمال، وجد أبناء الجمهورية العربية اليمنية أنفسهم أمام واقع مختلف؛ فالقوة التي استخدمت ضد الجنوب في مراحل سابقة لم تعد قادرة على حماية أصحابها من نتائج الصراع الداخلي. ثم جاء الحوثيون ليصبحوا القوة الأكثر تأثيرًا في الشمال، في مشهد يرى فيه الكثير نوعًا من المفارقة التاريخية: من مارس الإقصاء والقوة ضد الجنوب وجد نفسه لاحقًا يواجه قوة تفوقه بطشًا وتنظيمًا.
وفي خضم هذا التحول، بدأ الجنوب ببناء مؤسساته وقواته العسكرية والأمنية، مستفيدًا من الدعم الإماراتي الذي لعب دورًا بارزًا في تمكين القوى الجنوبية من فرض حضورها على الأرض. ومع اتساع هذا الحضور، لم يعد الجنوب مجرد ورقة في صراع القوى الإقليمية، بل أصبح طرفًا يمتلك أدوات القوة والتأثير، وقادرًا على الدفاع عن مشروعه السياسي.

وهنا بدأت معادلة النفوذ الخليجي داخل الجنوب تتغير.

فصعود الدور الإماراتي في الجنوب، وتراجع النفوذ السعودي في بعض المناطق، ولا سيما حضرموت والمهرة، وضع الرياض أمام معضلة استراتيجية. فالسعودية، التي اعتادت أن تكون صاحبة التأثير الأكبر في اليمن، وجدت نفسها أمام واقع جديد تتقاسم فيه النفوذ مع حليفها الإماراتي، بينما تتقدم القوى الجنوبية على الأرض بخطوات متسارعة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر الذي نشأ بين الرياض وأبوظبي بشأن اليمن. فالصراع لم يكن، في جوهره، مجرد اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الأزمة اليمنية، وإنما كان انعكاسًا لاختلاف المصالح والرؤى بشأن مستقبل الجنوب، وشكل الدولة اليمنية، وطبيعة القوى التي ينبغي أن تمتلك النفوذ في المحافظات الجنوبية.
وبالنسبة إلى الجنوبيين، فإن أي محاولة لإعادة إنتاج قيادة جنوبية مرتبطة بهذه الدولة الإقليمية أو تلك لن تكون حلًا للقضية، بل إعادة تدوير للمشكلة نفسها. فالجنوب، إذا كان يريد استعادة قراره السياسي، يحتاج إلى قيادة تستمد شرعيتها من شعبه، لا من عواصم الخارج.
المفارقة الأكبر أن السعودية، التي سعت طوال عقود إلى منع تغير موازين القوى في اليمن بما يهدد مصالحها، أصبحت اليوم أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالحروب التي امتدت من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن والسودان، والتنافس الإقليمي والدولي، وتعدد مراكز القوة، كلها جعلت المنطقة أقل قابلية للسيطرة من خلال الأدوات التقليدية.
وهنا تبرز قاعدة تاريخية لا يمكن تجاهلها: السياسات التي تقوم على إدارة الأزمات بدل حل جذورها قد تنجح لفترة، لكنها في النهاية تنتج أزمات جديدة ترتد على أصحابها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن محاولة إخضاع الشعوب بالقوة أو الالتفاف على تطلعاتها السياسية لا تؤدي بالضرورة إلى الاستقرار. وقد يكون الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من التجربة اليمنية هو أن تجاهل القضية الجنوبية لن يؤدي إلى اختفائها، كما أن استخدام الجنوب كورقة في صراع النفوذ الإقليمي لن يلغي حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُحسم في الرياض أو أبوظبي أو طهران، وإنما يجب أن يكون القرار الأول والأخير لأبناء الجنوب أنفسهم.
فإذا كانت السعودية تريد بالفعل علاقة مستقرة مع الجنوب، فإن الطريق الأقصر ليس صناعة الوكلاء ولا إدارة الخلافات من خلف الستار، وإنما احترام إرادة الجنوبيين والتعامل معهم بوصفهم أصحاب قضية وحق سياسي، لا مجرد ورقة يمكن استخدامها عند الحاجة.
أما الاستمرار في سياسة النفوذ وإدارة الصراعات، فقد يجعل من مقولة «الكأس الذي أذقته لغيرك ستشرب منه يومًا» أكثر من مجرد تعبير عاطفي؛ قد يجعلها درسًا سياسيًا في كيفية ارتداد الأزمات على من ظن أنه قادر على التحكم بها إلى الأبد.

وفي الختام، تبقى الحقيقة التي لا تستطيع حسابات السياسة تجاوزها: الشعوب قد تُرهق، لكنها لا تنسى، والقضايا قد تُحاصر، لكنها لا تموت.
لقد أثبتت السنوات أن النفوذ مهما بلغ، لا يصنع شرعية، وأن إدارة الأزمات قد تمنح أصحابها مكاسب مؤقتة، لكنها قد تفتح عليهم أبوابًا لا يستطيعون إغلاقها. ومن يزرع الانقسامات ويستثمر في صراعات الآخرين، عليه أن يدرك أن الرياح السياسية لا تبقى دائمًا في الاتجاه الذي يريده.
فالجنوب ليس ورقة في دفتر المصالح، ولا ساحة مفتوحة للمساومات؛ إنه قضية شعب، وإرادة وطن، وحق يطالب أصحابه بأن يكون القرار في مستقبلهم بأيديهم.
وربما يكون الدرس الأبلغ من كل ما جرى: لا أحد يستطيع أن يشرب من الكأس إلى الأبد دون أن يأتي يومٌ تدور فيه الدائرة.
فما يُزرع اليوم في أرض السياسة، سيُحصد غدًا في أرض الواقع… والتاريخ وحده كفيل بأن يقول: من كان يملك النفوذ، ومن امتلك الحق.