الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 04:07 م
في أوج المواجهات الحارقة لا تحسم المعارك بوزن العتاد ولا بكثافة النيران فحسب بل بمفردة واحدة تنطلق من حنجرة قائد أو جندي، لتختزل عقيدة قتالية كاملة وتصنع الفارق الجذري بين مشهد المجد ونقيضه...
على خطوط النار الملتهبة بحضرموت المجد تجلت هذه المفارقة العجيبة في مشهدين صوتيين لا يمحوهما الذاكرة
الأول نداء العقيدة والمواجهة بصرخة جندي من القوات المسلحة الجنوبية وسط أزيز الرصاص وقصف الطيران المعتدي"الثبات.. الثبات يا رجال!".. كلمتان فقط، لكنهما تختزلان فلسفة الصمود في أعتى الظروف وتحوّلان الأجساد إلى صدود فولاذية تراهن على المبدأ والقيمة مهما كانت التكلفة، تلك هي العقيدة الوطنية الجنوبية التي لا تتزحزح...
والثاني نداء التراجع تحت ذريعة السلامة والتكتيك، نداء القوات المغرور بها والمأزومة "انبطح.. انبطح!".. صرخةٌ تتوسل إلى الأرض أن تبتلع الأجساد هلعاً ورعباً من شظايا المواجهة...
تكمن المفارقة في أن الكلمتين قيلتا في الميدان ذاته، لكن الفرق يكمن في الزاوية التي يرى منها كل طرف معركته، فالأول يرى في الأرض منطلقاً للشموخ والشرف، فيصرخ "ثباتاً" ليرتفع رأس المقاتل الجنوبي المعتز بأرضه وقضيته.. بينما يرى الثاني في الأرض مجرد ملاذ للهرب من جحيم المعركة فيصرخ "انبطاحاً" ليتوارى من الخطر....
بين "الثبات" كقيمة معنوية تجسد الإصرار للحق الجنوبي و"الانبطاح" كإجراءٍ يغلفه الخوف والهروب من المصير المحتوم يبقى الميدان هو الحاكم الفعلي يسجل لمن ثبتوا وثيقة شرف في ذاكرة التاريخ ولمن انبطحوا هرباً خيبة تلاحقهم إلى الجولة القادمة ...