الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 04:46 م
تحل الذكرى الثالثة والستون لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، لا باعتبارها مجرد محطة سردية في ذاكرة الوطن، بل بوصفها انفجارا وجوديا كسرت فيه إرادة الإنسان طوق الاستلاب، وأثبتت أن التاريخ لا يصنعه المستحيل بل تصنعه الذات المتمردة على القهر، ولم يكن الكفاح المسلح الذي انطلقت شرارته من جبال ردفان الشامخة عام 1963، تكتيكا عسكريا عابرا، بل كان إعلانا فلسفيا عن استعادة الوجود، ورفضا قاطعا لتأبيد التهميش والاحتلال .
إن صمود شعب الجنوب اليوم على امتداد خريطته الجيوسياسية ليس رد فعل موقت، بل هو تجسيد لعقيدة البقاء، إذ يدرك الإنسان الجنوبي أن الجغرافيا ليست مجرد مساحة مكانية للتواجد، بل هي الحاضن الوجودي للكرامة، وأن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن المعنى الإنساني ذاته في مواجهة محاولات الطمس وإعادة تدوير الاستبداد .
إن الجذر الفلسفي للثورة القائمة يكمن في استحالة تدجين الإرادة الشعبية، فمن امتلك شجاعة البدء عام 1963 قادر اليوم على تفكيك كل معادلات الهيمنة المعاصرة، وإن الانتقال من مرحلة التحرر إلى مرحلة استعادة الدولة كاملة السيادة يتطلب ارتقاء عميقا في الوعي السياسي والاجتماعي، فالوفاء لدم الشهداء لا يتحقق بالبكاء على الأطلال، بل ببناء مؤسسات صلبة تقوم على الشراكة الحقيقية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون، لتكون الدولة المنشودة مظلة حاضنة لكل التناقضات الإيجابية التي تصنع الاستقرار، وتحصينا للجبهة الداخلية التي تعد الشكل الأرقى للوطنية، لأن الخصوم لا يغلبوننا بقوتهم بقدر ما يغلبوننا بتصدعنا الداخلي .
ومن منظور جيو-استراتيجي،لا يمكن فصل الجنوب عن نسقه الإقليمي والعربي،فموقعه المطل على خليج عدن وبحر العرب ومضيق باب المندب يجعله رئة اقتصادية وأمنية للعالم بأسره، مما يجعل القوات المسلحة الجنوبية حارسة لتخوم أمنية إقليمية تواجه مشاريع التمدد والمليشيات الطائفية كالمشروع الحوثي الإيراني، ومن هنا ينبع الموقف الثابت في إدانة الاعتداءات الإرهابية التي تستهدف المملكة العربية السعودية الشقيقة، فالأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، واستقرار الرياض وعدن وجهان لعملة استراتيجية واحدة قوامها المصير المشترك والرفض المطلق لمشاريع الفوضى .
إن ثورة أكتوبر لم تكن حدثا انتهى أثره بانقضاء الزمن، بل هي سيرورة مستمرة تتجدد كلما استدعت الضرورة إعادة إنتاج الحرية، لأن إرادة الشعوب الحية لا تموت والجنوب بيقين التاريخ وجدارة الإنسان، ماض بثبات نحو استعادة دولته وترسيخ أمنه شريكا فاعلا وصانعا للسلام في محيطه العربي والعالمي .
الرحمة لشهداء أكتوبر والتحية لكل مرابط يكتب بدمه وصلابته ملحمة البقاء .