الإثنين - 16 مارس 2026 - الساعة 09:13 م
في الحروب، كثيراً ما تُقال الوعود الكبيرة في لحظات الحاجة، لكن ما إن تتغير موازين القوة حتى تتبدل الحقائق على الأرض. هذا ما يشعر به كثير من الجنوبيين اليوم بعد سنوات من الحرب التي خاضها الجنوبيون ضد جماعة الحوثي والقوات المتحالفة مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح .
حين بدأت المواجهة في عام 2015، اعتقد كثير من أبناء الجنوب أن المعركة ليست فقط لإخراج الحوثيين من مدنهم، بل أيضاً فرصة تاريخية لاستعادة دولتهم التي انتهت بعد الوحدة اليمنية عام 1990. ومع تدخل التحالف بقيادة السعودية وبمشاركة فاعلة من دولة الإمارات العربية المتحدة، بدا للكثيرين أن الطريق أصبح ممهداً لتحقيق هذا الهدف.
الجنوبيون قاتلوا على الأرض، ودفعوا الثمن من دمائهم في معارك تحرير مدنهم، وعلى رأسها عدن. لكن مع انتهاء المعارك الكبرى، بدأت تتكشف حقيقة أكثر تعقيداً: الجنوب لم يكن فقط ساحة حرب، بل ساحة صراع نفوذ.
فالموقع الجغرافي للجنوب ليس تفصيلاً بسيطاً. فهو يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق باب المندب، ويضم موانئ استراتيجية يمكن أن تغير موازين التجارة والنفوذ في المنطقة. كما يحتوي على محافظات غنية بالموارد مثل حضرموت وشبوة والمهره وهي مناطق أصبحت محور تنافس سياسي واقتصادي واضح.
ومع مرور الوقت، بدأ كثير من الجنوبيين يطرحون سؤالاً صريحاً: هل كان دورهم في الحرب شراكة حقيقية، أم مجرد أداة في صراع إقليمي أكبر؟
فحين تتضارب المصالح، تتحول الوعود إلى أوراق تفاوض، وتصبح التضحيات جزءاً من حسابات النفوذ.
الأكثر إيلاماً أن الصراع على الجنوب لم يعد يقتصر على القوى المحلية، بل أصبح مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت نفوذها أو منع خصومها من السيطرة على المواقع الاستراتيجية. وفي خضم هذه الحسابات، غالباً ما يُهمَّش صوت الناس الذين دفعوا الثمن الأكبر في الحرب.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُدار كملف جيوسياسي فقط. فهذه الأرض ليست مجرد موانئ وممرات بحرية وحقول نفط، بل موطن لملايين البشر الذين يطمحون إلى الاستقرار والكرامة وتقرير مصيرهم.
قد تستطيع القوى الإقليمية رسم خرائط النفوذ مؤقتاً، وقد تنجح في إدارة التوازنات لفترة من الزمن، لكن التاريخ أثبت مراراً أن الإرادة الشعبية تبقى العامل الأكثر تأثيراً على المدى الطويل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يسيطر على الجنوب اليوم؟
بل: من يملك الحق في تقرير مستقبله؟
الإجابة التي يتفق عليها كثير من أبناء الجنوب بسيطة:
إنه حقهم هم، قبل أي عاصمة أخرى، وأي حسابات سياسية خارج حدود أرضهم.
الصحفي صالح حقروص
2026/3/16م