مقالات


السبت - 21 مارس 2026 - الساعة 04:08 م

الكاتب: جمال الزوكا - ارشيف الكاتب




​لا أدري لماذا تذكرتُ قصة "العبد الصالح" وأنا أتابع خطبة العيد التي ألقاها المحافظ خضر الرباش (محافظ أبين)، الجديد لكن المفارقة كانت أقوى من أن تُتجاهل. فبينما ذهب موسى -عليه السلام- ليتعلم من الخضر "العلم اللدني" الذي لا تدركه الأبصار ولا العقول العادية، وجدنا أنفسنا في أبين أمام "خضر" من نوع آخر، يلقي خطبةً لو سمعها الخضر الحقيقي لاعتزل "خرق السفن" وتفرغ لفك طلاسم السياسة اليمنية!
​فلسفة "خرق السفينة" الحكومية
​في القصة القرآنية، خرق الخضر السفينة ليحميها من ملكٍ يأخذ كل سفينة غصباً. أما في عالمنا المعاصر، يبدو أن المسؤولين -وعلى رأسهم صاحب الخطبة الشهيرة- قد أتقنوا هذا الفن بجدارة. الفرق الوحيد هو أنهم يخرقون "سفينة الوطن" يومياً، ليس حمايةً لها من ملك ظالم، بل لأن "الديزل" المخصص للسفينة تبخر في ظروف غامضة، ولأن الخرق أصلاً أصبح جزءاً من الديكور العام!
​عندما يمتطي الخضر الرباش المنبر، يختلط الحابل بالنابل؛ فتتحول الآيات الكريمة إلى "توجيهات رئاسية"، وتصبح الأحاديث النبوية مبرراً لرفع أسعار المشتقات النفطية. إنها "البركة السياسية" التي تحول المنبر من مكان للزهد إلى منصة لاستعراض القوة وإصدار الأوامر العسكرية بصبغة "روحانية".
​الجدار الذي كاد أن ينقضّ (من الضحك)
​يقول الله تعالى عن الخضر: "فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه". وفي واقعنا، الجدران كلها تنقضّ، والخدمات تنهار، لكن "الخضر" السياسي لا يقيم الجدار بيده، بل يقيمه "بخطبة عصماء"! نهار عيد الفطر المبارك، فبمجرد أن ينتهي المحافظ من خطبته، يُفترض بالشعب أن يشعر بالشبع والري، وأن يرى في انقطاع الكهرباء "حكمة ربانية" لا يدركها إلا الراسخون في السياسة.
​ملاحظة : الخضر الحقيقي لم يطلب أجراً على بناء الجدار، أما "خضرنا" المعاصر، فيبني الجدار من ميزانية الدولة، ثم يطلب منا أن نشكره على "صبره" علينا!
​علم الباطن وعلم "البطون"
​الخلق بين الخضر التاريخي والخضر "المحافظ" يكمن في نوع العلم. الأول لديه علم الباطن (ما وراء الأحداث)، والثاني لديه علم "البطون" (كيف تُدار الأمور والمصالح). السياسة حين ترتدي عمامة الدين في العيد، تصبح كمن يضع "شطة" فوق "العسل"؛ طعم غريب، يجعلك تبكي وتضحك في آن واحد.
​لقد علمنا المحافظ في خطبته أن الطريق إلى الجنة يمر عبر "الولاء للمسؤول"، وأن نقد التقصير هو نوع من "فتنة آخر الزمان". وهكذا، تحولت قصة الصبر بين موسى والخضر إلى قصة صبر "المواطن" مع "المحافظ"، مع فارق بسيط: موسى سأل ثلاث مرات وفارقه الخضر، أما المواطن اليمني فقد سأل مليون مرة، ولا يزال "المحافظ" جاثماً على صدره وصدر المنبر!

ليتنا كنا "غلاماً"
​في النهاية، يبدو أن خلط الدين بالسياسة في خطب الأعياد هو النسخة اليمنية من "الواقعية السحرية". فالمسؤول يخطب فينا عن الزهد وهو يركب مدرعة، وعن الأمانة وهو ينسى ميزانية المحافظة في جيب "البدلة".
​يا سيدي "الخضر"، لو بعثت فينا اليوم ورأيت "خضر أبين" وهو يخطب، لربما أدركت أن خرق السفينة كان أهون بكثير من خرق "عقولنا" بهذه الخطب السياسية المغلفة برائحة البخور!