مقالات


السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 04:34 م

الكاتب: فضل الجعدي - ارشيف الكاتب



للعرب ماض مجيد مليء بالإنجازات الحضارية والثقافية وأثر كبير في الحضارة الإنسانية من خلال ما قدموه من اختراعات وابتكارات ونظريات في مجالات الطب والكيمياء والصيدلة والرياضيات والفلك ناهيك عن الأدب والشعر والاجتماع، وفيما كانت أروبا تغرق في عصور الجهل والظلام كانت الحضارة العربية في أوج مجدها وعصرها الذهبي والعمود الذي بني عليه تاريخ الحضارة الإنسانية .

أن الحضارة كما يؤكد ابن خلدون ليست حدثا عابرا، بل مسار تحكمه سنن اجتماعية ثابتة، قوامها العدل والعمل المنتج، وقد كشف بعمقٍ نادر أسباب نهوض الدول وانهيارها، رابطا بين السياسة والاقتصاد، وأن سرّ قيام الدول والحضارات يكمن في الطاقة المعنوية التي توحّد الناس حول غاية مشتركة وتمنحهم إرادة الفعل الجماعي، وتبعث فيهم الهمم ليغدو المجتمع كتلة واحدة متماسكة، فينشئ الدولة ويقيم النظام ويبدع في العمل، لكن ما إن يتذوق الإنسان طعم الرفاه والدعة تظهر الأنانية، فيفقد المجتمع روحه القتالية وقدرته على الاستمرار، وتبدأ دورة الانحطاط .

ان الحاضر اليوم يحكي قصة حزينة في كيفية التحول من ماض مشرق إلى واقع بائس، ومن واجهة التاريخ إلى مكانة منسية، وقد لا يختلف اثنان في العالم في ان مصيبة العرب الكبرى هي في تشرذم مواقفهم وتفرق سياساتهم وفي خلافاتهم المزمنة التي لا تنتهي، وفي صراعاتهم المستمرة مع بعضهم التي كان من الممكن وأد الكثير منها في مهدها بروح التفاهم والحوار المسئول والتنسيق المشترك في اطار مصلحة قومية عليا جامعة لكل هذه الدول والشعوب في المشرق والمغرب، لكن الروح القومية الملهمة ظلت مفتقدة لا تجد من ويوقظها، وبسبب هذا التشرذم المستمر فشلوا في ادارتهم لازماتهم وخسروا اغلب رهاناتهم، وضاعت فرصهم، وضلوا الطريق إلى التعامل الناجح مع العالم الخارجي، لانهم يتحركون معظم الوقت في المسارات الخاطئة، رغم الوفرة الهائلة في امكاناتهم ومقدراتهم وثرواتهم، كونهم يتعاملون مع بعضهم بروح الشماتة والعداء ويفصل بينهم جدار مرتفع من عدم الثقة المتبادلة، وما يظهرونه لبعضهم في العلن هو غير ما يبطنونه في الخفاء، وهو تاريخ مستجر منذ بدء انهيار الخلافة الإسلامية وما تلاه وحتى وقتنا الحاضر، ولذلك فشلت كل التجمعات العربية في اثبات وجودها بعد ان تحولت كلها بفعل هذا المناخ المريض الى كيانات مشلولة وخامدة لا فائدة ترجي منها .

ان الماضي يثير في كل الناس مهما تباعدت أماكنهم ومهما اختلفت ظروفهم وخلفياتهم ومستوياتهم الشعور بالحنين والترحم عليه، أما الحاضر فانه يحرك أسوأ ما فيهم من مشاعر وانفعالات، فالحاضر الذي يكتوون بناره الآن لا يبعث في الانسان العربي الا الاحساس بالبؤس والاكتئاب وفقدان الأمل في المستقبل .

ان التاريخ لا يتحرك بالصدف بل وفق منطق دقيق تحكمه سنن اجتماعية وروحية، وولادة الحضارات وسقوطها هو جزء من السرديات التي تتحرك خلالها قوانين التاريخ، ذلك ان التاريخ كما يراه ابن خلدون ليس حكاية كر وفر وغزوات، بل حركة اجتماعية تحكمها قوانين النفس الإنسانية، ومتى ماتت الإرادة مات التاريخ، لأنّ سقوط الحضارة لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، حين تذبل الروح وتتلاشى الغاية ويتحوّل الإنسان من فاعل إلى مستهلك .