الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 - الساعة 05:52 م
المنطقة تدخل مرحلة مختلفة، وربما تكون أخطر من مرحلة الحرب نفسها. فالدول الخليجية بدأت تفكر في اليوم التالي للصراع، وفي كيفية إعادة ترتيب علاقاتها مع إيران، وبناء ترتيبات أمنية جديدة تقلل مخاطر المواجهة المباشرة. والسؤال الذي يفرض نفسه وسط هذه التحولات ليس فقط ماذا ستفعل الرياض وطهران، وإنما: أين سيكون الجنوب عندما تبدأ مرحلة التسويات؟
هذه المسألة يجب أن تشغل كل القوى السياسية الجنوبية، لأن أي تفاهم إقليمي قادم سيبحث أولاً عن مصالح الدول وأمنها وحدودها، ولن ينتظر الجنوب إذا لم يكن حاضراً بفاعلية في المشهد السياسي.
السيناريو الأكثر خطورة أن تصل السعودية وإيران، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، إلى تفاهمات تنهي أو تخفف مستوى المواجهة. وفي هذه الحالة سيكون الحوثيون جزءاً أساسياً من الحسابات، باعتبارهم القوة المرتبطة بإيران والأكثر تأثيراً في شمال اليمن. وقد ينتقل الحوثي من مرحلة الحرب إلى مرحلة التفاوض وهو يحتفظ بقوته العسكرية ونفوذه السياسي، بينما يجد الجنوب نفسه أمام تسوية جديدة لم يشارك في صياغتها.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.
فالجنوب يملك قوة عسكرية موجودة في الميدان وتقاتل الحوثيين بشجاعة، وتدفع ثمناً بشرياً كبيراً. لكن القوة العسكرية، مهما بلغت، تحتاج إلى مشروع سياسي يحول التضحيات إلى نتائج وطنية. لا يمكن أن يستمر الجنوبي في خوض المعارك، ثم يترك الآخرين يحددون بعد توقف القتال شكل الدولة وحدود النفوذ ومستقبل المنطقة.
لقد تكررت هذه المعادلة مرات عديدة: الجنوبيون يتحملون العبء الأكبر في الميدان، وعندما تبدأ مرحلة التفاوض تنتقل القضية إلى غرف مغلقة، ويتقدم أصحاب المشاريع السياسية بينما يتراجع أصحاب التضحيات إلى الصفوف الخلفية.
ولا ينبغي أن تتكرر التجربة مرة أخرى.
الأكثر إثارة للقلق هو حالة الفراغ السياسي التي يعيشها الجنوب في هذه اللحظة الحساسة. فالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الذي حمل خلال السنوات الماضية جانباً رئيسياً من تمثيل المشروع السياسي الجنوبي، يعيش حالة من الجمود والتشتت في ظل وجود قياداته خارج الجنوب، بينما تتغير موازين القوى بصورة متسارعة من حوله.
وفي الوقت نفسه، توجد قوات جنوبية في الجبهات، وفي مقدمتها قوات العمالقة، تخوض مواجهات فعلية مع الحوثيين. وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها: قوة جنوبية تقاتل على الأرض، بينما الحضور السياسي الذي يفترض أن يترجم هذه القوة إلى موقف تفاوضي واضح لا يزال دون مستوى خطورة المرحلة.
المشكلة ليست في المقاتلين، ولا في شجاعتهم، وإنما في غياب الإجابة السياسية عن السؤال الأساسي: ما الذي نريده من هذه الحرب؟
هل الهدف مجرد إيقاف الحوثيين؟ هل القتال من أجل إعادة إنتاج الدولة اليمنية السابقة؟ أم أن الجنوب يخوض هذه المواجهة باعتبارها جزءاً من معركة أكبر تتعلق باستعادة دولته وحق شعبه في تقرير مستقبله؟
لا يمكن ترك هذه الأسئلة معلقة.
فالذي يقاتل من دون هدف سياسي محدد قد ينتصر في المعركة ويخسر نتائجها. أما الذي يمتلك مشروعاً واضحاً فيعرف منذ اللحظة الأولى لماذا يقاتل، وما الذي يريد تحقيقه عندما تتوقف الحرب.
والجنوب اليوم بحاجة إلى الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة. عليه أن يحدد موقعه في أي ترتيبات أمنية أو سياسية مقبلة، وأن يعلن بوضوح أن أمن الجنوب ومستقبله السياسي ليسا ملفاً تابعاً لأي تسوية بين أطراف أخرى.
كما أن القوى الجنوبية مطالبة بتجاوز خلافاتها مؤقتاً على الأقل، ووضع الأولوية لحماية الأرض وبناء موقف سياسي مشترك. فالاختلاف حول التفاصيل يمكن أن يستمر، لكن ترك الساحة خالية في لحظة إعادة تشكيل المنطقة قد تكون كلفته أكبر من أي خلاف داخلي.
المعادلة القادمة قد تكون مختلفة تماماً عن السنوات الماضية. فإذا دخل الحوثيون مرحلة تفاوض إقليمي وهم يحتفظون بقدرتهم العسكرية، وإذا أعادت السعودية حساباتها الأمنية، وإذا انشغلت الولايات المتحدة بإدارة صراعات أخرى، فإن الجنوب لن يستطيع الاعتماد على أن الآخرين سيضعون مصالحه تلقائياً في مقدمة أولوياتهم.
لا أحد يمنح موقعاً سياسياً لمن لا يطالب به، ولا أحد يحجز مقعداً على طاولة المفاوضات لمن لا يملك القدرة على فرض حضوره.
ولهذا فإن القضية الجنوبية أمام اختبار حقيقي. فإما أن يتحول الحضور العسكري الجنوبي إلى مشروع سياسي واضح ومؤثر، وإما أن تبقى التضحيات منفصلة عن القرار السياسي، وعندها قد تأتي التسوية لتضع نهاية للحرب من دون أن تقدم إجابة عن مستقبل الجنوب.
المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع هذه الدولة أو تلك، ولا انتظار ما تقرره العواصم الإقليمية. المطلوب أن يمتلك الجنوب قراره، وأن يخاطب الجميع من موقع سياسي واضح: نحن جزء من معادلة الأمن والسلام في المنطقة، ولسنا مجرد قوة تستخدم في ساحات القتال.
لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً في الحروب السابقة، ودفع أبناؤه الدم في أكثر من جبهة. ولذلك فإن من حقه، بل من واجبه، أن يسأل قبل أن تبدأ التسويات: من سيتحدث باسم الجنوب؟ وما هو موقعه في أي اتفاق قادم؟ وما الضمانة ألا تتحول تضحيات أبنائه إلى مجرد ورقة في حسابات الآخرين؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً. إنها أسئلة مصيرية.
فالحرب قد تتوقف في أي لحظة، لكن الصراع على مستقبل المنطقة لن يتوقف. وعندما تبدأ مرحلة رسم التوازنات الجديدة، لن يكون كافياً أن يمتلك الجنوب قوات في الميدان؛ سيكون عليه أن يمتلك رؤية سياسية وقيادة حاضرة وقراراً مستقلاً.
الخطر الحقيقي ليس أن تنتهي الحرب، وإنما أن تنتهي الحرب بينما يكون الجنوب غائباً عن صناعة ما بعدها.