مقالات


الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - الساعة 03:15 م

الكاتب: د.فضل عبدالله الربيعي - ارشيف الكاتب



​تُطالعنا وسائل الإعلام بين الحين والآخر بموجات متلاحقة من التغييرات والتعيينات الإدارية في مؤسسات الدولة، سواءً كانت وزارية أم غيرها من التعيينات المدنية والعسكرية. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل هذه التغييرات مدخلاً طبيعياً لتطوير الأداء وتحديث بنية المؤسسات، حيث تُمارس هذه التعيينات في كثير من الأحيان بوصفها "لعبة سياسية شكلية"هدفها الاستهلاك الإعلامي،أو تمرير اجندات للقوى السياسية في إطار المشهد السياسي، وإعادة ضبط الشارع السياسي، لكن دون المساس بجوهر الأزمات القائمة.
​إن قراءة هذه الظاهرة من زاوية علم الاجتماع السياسي تُظهر بأنها تعتمد على عدة أبعاد رئيسية منها الاتي:
​أولاً- الإلهاء السياسي وصناعة "الاهتمام البديل"
وتوظيف التعيينات كآلية لتشتيت الانتباه الممنهج. حيث يُعاد توجيه اهتمام الشارع والرأي العام بعيداً عن القضايا المصيرية والهيكلية الجوهرية مثل الحقوق الوطنية، ومعالجة وضع الخدمات الأساسية، والأزمات الاقتصادية الخانقة. وجر المجتمع نحو صراعات جانبية وتجاذبات حول الأسماء وانتماءاتهم (المناطقية والقبيلة والجهوية والحزبية). ويتحول المجتمع هنا، تحت ضغط الضخ الإعلامي، من موقع "المواطنة الفاعلة" المطالبة بالحلول والبرامج الاصلاحية للمؤسسات، إلى موقع "المتفرج المستهلك" لدراما التنقلات الوظيفية.
ثانياً- إحباط الشارع وتعميق الاغتراب المؤسسي ​عندما يتكرر مشهد التغيير البيروقراطي دون أن يلمس المواطن أي تحسن في واقع حياته اليومية أو جودة الخدمات المقدمة له، ويتسرب شعور عميق بالعجز والخذلان. هذا النمط يُفضي إلى حالة من الاغتراب الاجتماعي والسياسي في المجتمع. حيث تتوسع الفجوة بين الشارع والمؤسسات الرسمية، وتتآكل الثقة العامة حين تترسخ قناعة مفادها أن الصعود الوظيفي لا يخضع لمعايير الكفاءة والجدارة، بل لتوازنات سياسية وضغوط أخرى لصالح فئات معينة.
​ثالثاً- تٌكس وتفريغ السياسة وشخصنة السلطة، ​إن التركيز على الأشخاص والأسماء بدلاً من البرامج والسياسات يفرغ العمل المؤسسي العام من مضمونه الموضوعي، عبر غياب المعايير المؤسسية لصالح المحاصصة والتوافقات الفئوية مما يحوّل مؤسسات الدولة إلى مجرد ساحات لتوزيع المناصب وتطييب الخواطر.. وفي الوقت نفسه، تُستخدم هذه التغييرات الشكلية كغطاء لإعادة إنتاج التوازنات القديمة وتدوير الوجوه نفسها، تحت يافطة "تجديد الدماء".
وعليه نقول ​إن الحقيقة التي يجب ادراكها هي أن التدوير الشكلي للمناصب لن يغير من جوهر الأزمات شيئاً، ما لم يقترن برؤية مؤسسية واضحة ومساءلة حقيقية.
فالمواطن اصبح اليوم
قادر على التمييز الحاسم بين الإصلاح الإداري والمؤسسي البنيوي الذي ينعكس أثره عملاً ونفعاً في واقع الناس ومستقبلهم، وبين مسرحيات التغيير الشكلي التي لا تعدو كونها إدارة لتحقيق نزوات للبعض، وتأجيلاً للاستحقاقات الوطنية والاجتماعية.
د. فضل الربيعي
اكاديمي، وباحث في قضايا السياسة والمجتمع