تقرير / الدكتور فضل عبدالله الربيعي
ما شهدته أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة ليس مجرد تحديث عابر، بل تحول هيكلي استراتيجي أطاح بالصورة النمطية لمدينة كانت، حتى وقت قريب، نموذجاً للتناقضات العمرانية الصارخة.
بين زيارتي الأولى لها قبل نحو أثنى عشر عاماً واليوم، تقف العاصمة الإثيوبية كشاهد على إرادة سياسية وتخطيطية استطاعت في مدة زمنية وجيزة _عشر سنوات_ أن تعيد رسم وجه المدينة الاقتصادي والحضري والاجتماعي عبر رؤية استراتيجية واضحة المعالم والهدف.
من مدينة التناقضات والعشوائية إلى الفضاء المُنظّم .لعقود طويلة، ظلت أديس أبابا تعاني من غياب رؤية تنموية شاملة، حيث كانت العشوائيات والمباني الطينية والصفيح المتهالكة تتداخل مع المنشآت الحديثة،مما أوجد تباينًا بصريًا حاداً وضغطاً هائلاً على البنية التحتية، كانت شوارعها ضيقة يتداخل فيها المشاة والمركبات مع الباعة، وسط ازدحام مروري وتدهور بيئي مستمر.اليوم لم تصدق كيف تغيرت تلك الصورة انه شي مذهل حقاً اصبحت في وضع يشبه ارقى مدن العالم. خلال جولتنا في شوارع المدينة وحدائقها حاولنا ان نسأل عن كيف جرى هذا التحول؟؟
اعتمدت الدولة وسلطة المدينة على قوة الإرادة والقرار والحزم حيث ارتكزت تجربة التجديد العمراني في مشروع اطلق عليه (مشروع الممرات الحضرية)
إذ لم يقتصر التحول على معالجة قشور المشكلة، بل اعتمد على عملية جراحية للتخطيط الحضري شملت الإنسان والتنمية معاً، مرتكزة على عدة آليات إجرائية وقانونية صارمة إعادة ملكية الارض للدولة،وكان
الغطاء القانوني للملكية قد استند إلى الدستور الذي ينص على ملكية الدولة للأرض، مما منح الإدارة غطاءً كاملاً لإعادة استملاك الأحياء القديمة والمناطق العشوائية وإعادة وتوجيهها للمصلحة العامة.
لقد شكل مشروع الممرات الحضرية مسح وتوسيع المحاور الحيوية داخل المدينة وتطويرها لتصبح طرقاً متعددة المسارات، تشتمل على مسارات مخصصة للمشاة والدراجات الهوائية، وشبكات إنارة حديثة، وخدمات المياة والكهرباء، ووفر مساحات خضراء ممتدة في ارجاء واسعة من المدينة.
وشمل إعادة التوطين والإسكان البديل حيث نقل مئات آلاف الأسر من وسط المدينة العشوائي إلى مجمعات سكنية حديثة مدعومة في أطراف العاصمة وداخلها، بما يضمن وصول الخدمات الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء وسكن كريم.
إذا كيف تم ذلك؟
تم عبر اعتماد الشراكة مع الاستثمار إعادة طرح الأراضي المُنظّمة في مزادات لكبار المستثمرين المحليين والأجانب، مع اشتراط بناء أبراج بمعايير معمارية حديثة ووفق جداول زمنية ملزمة.
تحافظ على التطوير البيئي والمروري، تشغيل القطار الخفيف، وبناء المنتزهات المفتوحة تحزيم ما تبقي من مساحات، وإنشاء محطات شحن للسيارات الكهربائية، ومواقف متعددة الطبقات للسيارات للحد من الازدحام.
وقد شكل الحزم وسرعة الإنجاز اهم عنصر في إدارة المشاريع بنظام العمل المتواصل على مدار 24 ساعة لضمان إنهاء المراحل في أوقات قياسية، رغم التكلفة المالية والتضحيات الاجتماعية الواسعة.
يمكن القول ان هذه التجربة بحاجة للدراسة ومعرفة الكثير عنها وذلك للاستفادة منها.
تقدم تجربة أديس أبابا عدداً من الدروس العلمية والعملية للبلدان التي تعاني من النمو العشوائي واختناق العواصم (كما هي الحال في بلادنا التي تعيش في عشوائية مخيفة.
إن الجرأة في التخطيط والقرار السيادي هو الذي
أثبت نجاح التجربة، أن معالجة الاختلالات العمرانية المزمنة لا تتم عبر الترقيع الموضعي، بل بالبدء من حيث انتهى التخطيط الحديث، وحشد إرادة سياسية حازمة تتجاوز الضغوط الاجتماعية والسياسية المؤقتة.
فاستغلال قيمة الأراضي الحضرية عبر إزالة العشوائيات في قلب المدينة وإعادة استثمار الأراضي مثل القيمة العالية عبر الشراكة مع القطاع الخاص يوفر التمويل اللازم لبناء البنية التحتية والمجمعات السكنية البديلة.
وعليه فان التنمية الشاملة التي اعتمدتها اديس ابابا، بدءاً بالإنسان تمثلت بإعادة توطين سكان العشوائيات في شقق حديثة تُنهي حالة الإقصاء الاجتماعي وتوفر بيئة صحية، مما يحول الفئات المهمشة إلى طاقات منتجة ضمن نسيج المدينة الجديد.
ربط العمران بالبيئة وجودة الحياة حيث تحويل المساحات الضائعة إلى متنزهات وحدائق عامة يرفع من جودة الحياة، ويعيد صياغة السلوك العام للمواطنين نحو حماية البيئة الحضرية.
إن ما حققته أديس أبابا يضعها بحق على أعتاب العواصم والمدن الحديثة، محققاً ثورة فكرية واجتماعية لدى السكان والإدارات المحلية، وعلى الرغم من أن طريق التنمية الشاملة ما يزال طويلاً ويحتاج إلى عقود من الاستكمال، إلا أن ما تحقق يظل نموذجاً حياً لما يمكن أن تصنعه الإرادة والتخطيط الصارم في مواجهة الخلل والعبث في التنمية الحضرية،والاستفادة من هذه التجربة بالواقع التخطيطي لبعض المدن اليمنية وفي مقدمتها مدينة عدن المؤلة لذلك.

