مقالات


الخميس - 19 يناير 2023 - الساعة 08:59 م

الكاتب: محمد مرشد عقابي - ارشيف الكاتب




تلعب وسائل الإعلام المختلفة دوراً محورياً كبيراً بالتأثير في الناس وخلق وتكوين وتنمية الوعي الكلي للمجتمع، حيث تنجذب النفوس إلى ما تراه وتسمعه وتقرؤه، وهي الوحيدة التي بمقدورها تسليط الضوء على موضوع معين، وجذب اهتمام جماهير عريضة، وكذلك قادرة على تشكيل مخزون فكري ومعرفي لهذا الجمهور المتلقي وتكوين صورة ذهنية لديه عن أي قضية من القضايا.

ومن هذا المنطلق، فإن الإعلام عندما يستخدم للتضليل، إنما يلجأ إلى آليات نفسية في التأثير على عقول الناس وقلب الحقائق، وفيها يتم استهداف النفوس وقتلها من الداخل، وتحويل الإنسان إلى كائن يفتقد للمبادئ والقيم والأخلاق، وهذا ما ركزت عليه ماكنة الإعلام اليمنية التي مارست بهذا الشكل حربها الشعواء ضد شعب الجنوب ومثقفيه ومؤسسات دولته طوال العقود الماضية في إطار سياسات الهدم والتدمير والضم والإلحاق ونشر الأكاذيب والمغالطات.

وبهذا يتضح لنا خطر الحرب الناعمة والخبيثة التي قادها ولايزال يقودها هذا العدو ضد الجنوب وأبناؤه ومؤسساته الرائدة، من خلال وسائل الإعلام المختلفة، بهدف خلق حالة من الارتباك والخضوع والخنوع والاستسلام لهيمنته ومشاريعه الإرهابية، فهو يسعى دوماً ويسخر كل قدراته وامكاناته وبشكل حثيث إلى خلق حالة من التضليل الإعلامي وبث الشائعات وتشويه الحقائق لتمرير مخططاته وأنشطته التأمرية ضد الجنوب أرضاً وإنساناً لكي يتسنى له أن يفعل ما يريد.

ومؤخراً وأكثر من أي وقت مضى، تبينت خطورة الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام اليمنية المناهضة للقضية الجنوبية العادلة ولمشروع الحرية والاستقلال، ولحق شعب الجنوب في تقرير مصيره وفرض سيادته على أراضيه، حيث برزت حقيقة التضليل الإعلامي والتشويه الفكري الذي تروج له الجهات المعادية من خلال أبواقها ومنابرها، ومن هنا نحذر ونؤكد بإنه ليس بالسيف وحده يموت الإنسان، وليست الرصاصة فقط هي من تقتل، بل الكلمة هي من تصنع أعنف وأبشع المجازر الفكرية، فالانحراف الفكري ينتج عنه تشوهات في العقل الجمعي للأجيال المتلاحقة والمتعاقبة، وإذا كانت القنبلة الذرية تدمر حياة على مدى عشرات الأجيال، فإن الانحراف المعرفي والفكري والثقافي يدمر حياة مئات الأجيال، ولا يمكن القضاء عليه إلا بفكر يناقضه ويدحضه ويعريه، ويخاطب العقل قبل العاطفة، ولهذا نؤكد لأولئك الاعداء الذين يسعون بكل قوة لفرض واقعهم وتحقيق مآربهم الخبيثة في تمزيق وحدة الصف وإحداث شرخ في نسيج الجنوب الواحد، بأنهم مهما عملوا لن ينجحوا في تنفيذ مؤامراتهم فما بعد 17 يناير 2023 ليس كقبله، فقد أصبح قلم كل صحافيو وإعلاميو ونشطاء الجنوب سيفاً واحداً مسخراً لنصرة واحقاق الحق وإزهاق الباطل والدفاع عن القضية والمظلومية مواكباً لآمال وتطلعات وأهداف أبناء الشعب في نيل الحرية والكرامة واستعادة الدولة بعيداً عن أي نزعات واهواء فردية وجانبية، ومن لم يكن كفؤاً لأداء هذه المهمة ونصرة وطنه والانتصار لقضية شعبه في هذه المرحلة فليترك القلم.

وهنا، فإن القلم يشير إلى الصحافة وما تحمله في مضامينها من معان وخطاب إعلامي مقروء يصنعه كوكبة ونخبة من مفكري المجتمع، ويستهدف شريحة واسعة من القراء في الفضاء الواسع أكان ذلك داخلياً أو خارجياً، وفي غمرة الحروب التي يتعرض لها شعبنا وتستهدف قضيته العادلة، تبرز قنوات الزيف والتضليل الإعلامي ووسائل التواصل الأجتماعي المأجورة التي تسخرها قوى الاحتلال اليمني لضرب تماسك الشعب والقيادة ولإضعاف معنويات أبطال القوات المسلحة ورجال الجنوب الشرفاء، من خلال أساليب الإرهاب الفكري وتضليل العقول وبث الأراجيف ونشر الأكاذيب والترويج لها، يمارس العدو هذه الطرق والاساليب الدنيئة خدمةً لأطماعه وسياساته في التسلط والنهب والهيمنة ولإطالة أمد بقائه جاثماً على الأرض، ويؤدي إعلامه الخبيث تلك المهمة العدائية غير مكترثاً لما يقوم به من عمل يتنافى وأخلاقيات المهنة فهو يتعمد طمس الحقائق وتغييبها وإنكار الأدلة التي تثبت ضلال وزيف ما يتداوله ويروج له، بل ويمارس جرائم اغتيال العقول وتشويش الأفكار بقصد تحويل الرأي العام بمن فيه الخارجي إلى قطيع يتبع إرادته وينفذ رغباته وتوجهاته في تنفيذ أجندة أغتصاب أرض الجنوبيين ونهب ثرواتهم تحت يافطة ما تسمى بالوحدة، أي أن سياسة اليمننة جعلت من تلك الوسائل وأشباهها أبواقاً تابعة لها، تنتقد وتهاجم من خلالها كل من وقف ويقف ضد مشاريع الهيمنة ويجابه سياسة الضم والإلحاق، لتصفه بأبشع التهم، وتنسب إليه كل الجرائم، وتحيك ضده كل الدسائس، وتؤلب عليه كل الرأي العام العالمي، بوصفه عدواً للإنسانية جمعاء، وما أكثر تلك المطابخ الإعلامية المنتشرة اليوم والتي تعد وتنفذ وتنتج حالة التضليل والتزييف الكبيرة وتمارس خطاباً إعلامياً معادياً ضد شعب الجنوب العربي المنادي بحقه العادل والمشروع في إستعادة دولته، وخير دليل على ذلك ما يتعرض له حالياً هذا الشعب العربي الصامد من حرب إبادة وتجويع وقتل وإرهاب كل ذلك بهدف إثنائه عن قيمه ومبادئه الثورية الثابتة والراسخة وهو الشعب الحر العزيز الذي يدافع عن حقه في العيش والحياة الحرة الكريمة بأمن وسلام.

وتعمد العدو، خلال الفترات الماضية في حربه الناعمة ضد الجنوب وكل ما يتصل بهويته وقضيته، على تزييف الوعي وممارسة المغالطات والتضليل خاصة باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، التي اكتسحت الساحة وحققت انتشاراً واسعاً طغى على وسائل الإعلام التقليدية (المقروءة، المسموعة، والمرئية)، وجعلت من كل فرد مركزاً إعلامياً قائماً بذاته، الأمر الذي أدى إلى تغييب الحقيقة وتشتيت صوت الحق، وتزاحم الأهواء والرغبات والنزعات التي وجهت جميعها ضد الجنوب، ليقف الإعلاميين الجنوبيين بموقف المواجهة في ظل غياب الوعي الحقيقي والتمسك بالقيم والأخلاق والدين الذي أظهره العدو الذي وبدلاً من أن يسخر وسائل إعلامه لتحرير أرضه من قبضة الحوثيين ومهاجمة عدوه الحقيقي، ذهب ليحارب الجنوب والجنوبيين، وأصبحت وسائل إعلامه مخصصه للتخابر والتأمر والعمالة ضد أبناء الجنوب، مكرساً بذلك واحدة من أبشع صور إنكار المعروف والإنحلال المهني والأخلاقي والسلوكي والانسلاخ القيمي على مر التاريخ.

ومن هذا المنطلق، يقع على عاتق قادة الفكر والحرف والكلمة الجنوبيين اليوم، مهمة وطنية جسيمة ومسئولية عظيمة، تتجسد في صياغة الوعي الجمعي وصناعة وتدويل الخطاب الإعلامي المعاصر الذي يواكب المرحلة ويوازي جهود القيادة السياسية ويرتقي إلى مستوى طموح وتطلعات شعبنا في أستعادة دولته، كما تقع على الإعلام الجنوبي ايضاً مهام محاربة التضليل وأهله، وأخذ الحيطة والحذر من الاعداء وكشف وفضح وتعرية مخططاتهم الإجرامية، وصيانة النفس وتحصين الجبهة الداخلية، فماكنة إعلام العدو تتعمد نشر السخافات والترويج لها لذا وجب التحذير والتنبيه، وما دام ابن الجنوب متسلحاً بالوعي ومتحصناً بالإيمان بالله والمعرفة الحقيقية بعدالة ومشروعية قضيته التي ناضل وضحى لأجلها خيرة الرجال بأرواحهم ودمائهم وبكل ما يملكون، فإن كذب ودجل تلك الأبواق العفنة ومموليها ومن يقفون خلفها لن ينطلي عليه، وخطرها لن يناله، فليست لها القدرة أن تغطي الشمس في ساعة ضحاها، فالجنوبي حين يتحصن بالوعي الحقيقي والإيمان الراسخ لن يضره كيد الكائدين، وخيانة الخائنين، وحشود المعتدين، وسيظل الجنوب حراً أبياً شامخاً مادام فيه رجال شرفاء ومخلصين تشربوا روح الفداء والتضحية، وما دام فيه قادة يحملون مشاعل التنوير والهداية والوعي والحرية، ومادام فيه الرئيس القائد عيدروس أبو القاسم حفظه الله، حامل لواء التحرر والانعتاق، الاسد الهصور الذي سيدك حصون المتأمرين ويحطم عروش الطغاة، وبه سينتصر شعبنا ويسترد حقوقه كاملة وغير منقوصة، وعلى يديه بإذن الله تعالى سيتحقق الاستقلال للجنوب ونعيش بأمن وأمان وحرية وكرامة.