الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 02:09 م
ليست المرة الأولى التي أجد فيها اسمي مقترناً بقرار اعتقال، لكن اللافت أن التوقيت يتكرر بذات الدقة: يوم خميس. وكأن المطلوب ليس فقط التوقيف، بل ضمان يومين إضافيين في الحجز تحت غطاء عطلة نهاية الأسبوع. قد يبدو الأمر تفصيلاً عابراً للبعض، لكنه في ميزان الحقوق والحريات ليس تفصيلاً صغيراً.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا يُستدعى الصحفي؟
بل: لماذا يُعتقل قبل أن يُستدعى؟
في دولة يفترض أنها تحتكم إلى القانون، الطريق واضح: إذا كان هناك ادعاء، فهناك نيابة مختصة، وأمر استدعاء رسمي، وتحقيق علني وفق الإجراءات المعروفة. أما أن تتحول النقاط الأمنية إلى بديل عن القضاء، فذلك مؤشر خطير على اختلال ميزان العدالة.
أنا صحفي منذ أكثر من ثلاثة عقود. لم أحمل في حياتي سوى قلماً، ولم أعتبر يوماً أن مهنتي خصومة مع أحد، بل التزاماً أخلاقياً بنقل الحقيقة كما تصلني موثقة، ونصرة من لا صوت لهم. وحين ننشر قضية، فإننا لا نفعل ذلك بدافع التشهير، بل بدافع المساءلة.
إذا كان سبب الملاحقة يتعلق بمنشورات ذات طابع سياسي، فإن حرية الرأي ليست منحة من أحد، بل حق أصيل كفلته القوانين والمواثيق الدولية. الصحافة بطبيعتها ناقدة، والكتابة التي لا تزعج أحداً غالباً لا تقول شيئاً مهماً. الجندي سلاحه البندقية، والصحفي سلاحه الكلمة. وكلٌ يؤدي دوره وفق موقعه.
وإذا كان الأمر يتعلق بمنشور عن تجاوزات منسوبة لجهة عسكرية في سوق القات، فالقانون رسم الطريق بوضوح: حق الرد والتصحيح. كان بإمكان أي جهة متضررة أن ترسل تعقيباً أو توضيحاً، ونحن ملزمون مهنياً وقانونياً بنشره. أما القفز فوق هذا الحق إلى مربع التوقيف، فذلك لا يخدم الحقيقة، ولا يحمي المؤسسات، بل يضعف الثقة بها.
السنوات الثلاث الأخيرة كانت الأصعب في مسيرتي الصحفية. اعتقالات، محاكمات، تضييق… أمور لم أعرفها طوال ثلاثين عاماً من العمل. وهذا ليس شأناً شخصياً بقدر ما هو مؤشر على مناخ عام يتراجع فيه هامش الحرية لصالح سياسة تكميم الأفواه.
المشكلة ليست في شخصي، بل في فكرة أن القلم يمكن أن يكون مؤثراً. أن يصل صدى الكلمة إلى خارج الحدود. أن تتحول قضية محلية إلى شأن تتابعه وسائل إعلام ومنظمات حقوقية. عندها يصبح القلم عبئاً على من لا يريدون للأسئلة أن تُطرح.
لكن الحقيقة البسيطة هي أن احتجاز صحفي لا يلغي سؤالاً، بل يضاعفه. وأن تقييد قلم لا يطمس قضية، بل يسلط عليها الضوء أكثر.
أنا لا أطلب حصانة، ولا أبحث عن مواجهة. أطلب فقط ما يطلبه أي مواطن: احترام القانون. إن كان هناك ادعاء، فليكن عبر القضاء. وإن كان هناك خطأ، فليصحح عبر القانون. أما تحويل الرأي إلى تهمة، والنشر إلى جريمة، فهو طريق لا يقود إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة.
ستبقى الكلمة مسؤولية، وستبقى الحرية كلفتها عالية. لكن المجتمعات لا تتقدم بالصمت، ولا تُبنى بالخوف.
والقلم… سيظل يكتب.
الصحفي صالح حقروص
2026/2/27م