مقالات


الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 04:54 م

الكاتب: صالح ابو عوذل - ارشيف الكاتب



‏نجران وجيزان وعسير، أراضٍ يمنية أم سعودية؟ ظلّت هذه المناطق نقطة خلاف متوارثة في الوعي السياسي اليمني والسعودي على حد سواء. فالحوثيون، الذين يرون أن هذه المناطق يمنية، يتمسكون بخطاب تاريخي يعتبرها جزءا من الجغرافيا اليمنية، في مقابل تأكيد سعودي رسمي بأن هذه الأراضي سعودية، وأن الحدود مرسومة وفق اتفاقات قانونية معترف بها، وعلى رأسها اتفاقية جدة 2000م.
‏يرفض الحوثيون الاعتراف بهذه الاتفاقية، ويصرّون على التمسك بمعاهدة الطائف 1934م، التي وقعها عبد الله الوزير، والتي كان يجري تجديدها كل عقدين.

‏عبد الله الوزير، فقيه وزعيم شيعي يمني، كان المفاوض الرئيسي في توقيع معاهدة الطائف عام 1934 مع المملكة العربية السعودية، وهي المعاهدة التي أنهت الحرب بين الطرفين، وأبقت نجران وجيزان وعسير تحت السيادة السعودية، مقابل إعادة الحديدة وحرض إلى الإمام. وقد شكّلت تلك المعاهدة نقطة انطلاق أولى لمسار ترسيم الحدود، وإن لم تكن نهائية، وظلّت محل خلاف حتى توقيع اتفاقية جدة عام 2000، التي رسمت الحدود بشكل نهائي.

‏يبرر علي عبد الله صالح توقيع اتفاقية جدة 2000م بأن هدفها كان ترسيم الحدود بشكل نهائي، لأن السعوديين – كما كان يقول – لا يفاوضون على ما يحتلونه، بل على ما تبقى لديك، وأن الترسيم هدفه حماية الحدود من أي توسع لاحق.

‏غير أن اتفاقية جدة لم تكن لتُوقَّع لولا حاجة تحالف نظام صنعاء (المؤتمر والإخوان) إلى موقف سعودي داعم للهيمنة على الجنوب. فقد كانت رغبة السعودية آنذاك ترسيم الحدود مع الجنوب، مقابل وديعة مالية ضخمة ودعم سياسي وُصف حينها بـ«المفتوح»، في مواجهة الجنوب والدفاع عن الواقع الذي فرضته حرب صيف 1994م.

‏لاحقًا، توسّعت السعودية بشكل أوسع وأعمق، متجاوزة ما تم الاتفاق عليه في معاهدة جدة عام 2000. وكان للحرب التي أشعلها الحوثيون دور بارز في هذا التمدد، حيث استُغلت حالة الحرب لقضم مساحات إضافية من الأراضي الجنوبية.
‏وفّرت «عاصفة الحزم» فرصة مواتية للتوسع الصامت، مستفيدة من اشتعال الحرب بين الرئيس عبد ربه منصور هادي والحوثيين، وانشغال الأطراف بالصراع وترك ملف الحدود لمصير مجهول.

‏تعارض السعودية القضية الجنوبية، وتتحالف مع جماعات إسلامية مسلحة، على رأسها الإخوان وغيرها، في محاولة لوأد قضية وطنية قائمة على حق استعادة الدولة السابقة، خشية أن يؤدي قيام أي دولة جنوبية مستقلة إلى إعادة فتح ملف نزاع الحدود من جديد. غير أن جوهر المسألة لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوز الحدود اليمنية – السعودية إلى ما هو أعمق، حيث الترابط الاجتماعي والعقائدي والمذهبي الذي يمثل «ناراً تحت الرماد».

‏في هذه المناطق، يوجد ترابط عقائدي بين الإسماعيلية الشيعية والزيدية الشيعية. وفي هذا السياق، تحضر جماعة «....»، وهي جماعة شيعية مكرمية إسماعيلية، برز اسم بعض افرادها في المشهد العام من خلال تأثيرها في خطاب إحدى الصحف المحلية، حيث لوحظ في فترات سابقة تجاهل واضح للحروب والاعتداءات الحوثية على الأراضي السعودية، إلى حدّ أن بعض الأحداث التي وقعت في صعدة جرى توصيفها أو ربطها إعلاميًا بجنوب اليمن، وهو ما أثار حينها موجة سخرية وانتقادات واسعة.

‏الحديث عن دور متماهٍ مع الحوثيين والشيعة في اليمن لا ينفصل عن أحداث وقعت قبل نحو 25 عاماً، عُرفت بـ«أحداث نجران 2000م»، حين قامت مجموعات من أبناء المذهب الإسماعيلي بمحاصرة مقر إقامة أمير منطقة نجران آنذاك، مشعل بن سعود بن عبد العزيز، في فندق هوليداي إن، وأُحرقت بعض السيارات، وقُتل وأُصيب عدد من رجال الأمن.

‏خلفية هذه الحادثة تعود إلى صراع مذهبي، إذ كانت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذات التوجه الوهابي، قد داهمت مركز دعوة إسماعيلي، وألقت القبض على عدد من الأشخاص بتهم تتعلق بممارسة السحر والشعوذة.
‏وعلى إثر ذلك، قام مسلحون من الإسماعيلية بمحاصرة الأمير في مقر إقامته، وأطلقوا النار على الفندق، ورددوا شعارات مناهضة للنظام، قبل أن تُحسم المواجهة بتدخل عسكري واسع، بعد أن سيّر سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع حينها، عددًا من الألوية لفك الحصار.
‏يشكّل الشيعة في السعودية كتلة سكانية معتبرة، ويتركز وجودهم بشكل أساسي في جنوب المملكة. ولهذا، جاءت التهدئة السعودية في الاسابيع الأولى لانطلاق عملية «عاصفة الحزم» في أواخر مارس 2015م، مراعية لهذا العامل، حيث ساد انطباع بأن بعض هذه المكونات لم تكن متحمسة لضرب الحوثيين.
‏وفي هذا السياق، جاءت اتفاقية ظهران الجنوب، التي أعلن عنها المتحدث السابق باسم التحالف العربي أحمد عسيري.
‏دخلت اتفاقية ظهران الجنوب حيّز التنفيذ كهدنة غير معلنة بين الطرفين في 10 أبريل 2016م، وتزامن ذلك مع فرض السعودية تعيين الجنرال علي محسن الأحمر، وهو زيدي أيضا، نائبا لرئيس الجمهورية اليمنية.

‏ويمكن العودة إلى تصريحات خالد بحاح التي كشف فيها عن الكيفية التي جرى بها تعيين الأحمر نائبًا لهادي.
‏من المهمة الإشارة إلى أن تركيبة القوات السعودية المرابطة على الحدود مع اليمن الشمالي، والتي يتحدّر جزء كبير منها من مناطق نجران وجيزان وعسير، فرضت تحديا إضافيا على صانع القرار العسكري (السعودي)، ففي لحظة الصدام مع جماعة الحوثي، لم يكن العامل العسكري وحده هو المحدد، بل برز العامل العقائدي والاجتماعي بوصفه عنصرًا لا يمكن تجاهله.

‏هذا ما يفسر، جزئيا، لجوء المملكة في مراحل مبكرة من الحرب إلى الاستعانة بقوات من دول التحالف، شملت وحدات إماراتية وبحرينية وكويتية وقطرية، إضافة إلى قوات (الدعم السريع السودانية وأخرى جنوبية ويمنية، لسد الفجوة الميدانية وضمان تماسك الجبهة الحدودية.

‏ونتيجة لعوامل "......"، برزت حوادث ميدانية لافتة، من بينها سقوط لواء عسكري يمني يقوده "رداد الهاشمي"، بكامل عتاده وأفراده في قبضة الحوثيين، ويُقدَّر عدد عناصره بنحو 2700 مقاتل، في واقعة أثارت حينها تساؤلات واسعة حول طبيعة الولاءات داخل بعض التشكيلات، ومدى تأثير الروابط العقائدية والمذهبية على مسار المعركة، دون أن يُحسم الجدل رسميًا حول تفاصيلها أو خلفياتها.
‏من هنا، فإن حالة الجمود والانكسار في الجبهات منذ فبراير 2016م لم تكن نتيجة فشل عسكري بقدر ما كانت نتيجة تفاهمات تهدئة.
‏ وقد تحرر الجنوب وطُرد الحوثيون من مناطقه خارج حسابات تلك التفاهمات، حيث ظلت العمليات العسكرية التي استمرت حتى أغسطس 2018م بعيدة عن أي دور سعودي مباشر، باستثناء الاعتراض على طرد الحوثيين من ميناء الحديدة.

‏أما الهجمات المتقطعة التي وقعت لاحقًا، فكانت ذات طابع ابتزازي، هدفها تحقيق مكاسب عسكرية واقتصادية للحوثيين. بما في ذلك ما جرى في نهم وقانية في البيضاء وبيحان في شبوة، (2010 – 2022م)، وهي ليست انتكاسات أو انسحابات تكتيكية كما يُروَّج لها، بل جاءت في سياق واحد عنوانه «إعادة تسليح الحوثيين».

‏تنويه: "هذه التدوينة لا تهدف إلى التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، ولا إلى التحريض الطائفي، بل تقدّم قراءة سياسية لمسار الصراع الحدودي والحرب اليمنية، وتحاول تفكيك بعض التوازنات غير المعلنة التي حكمت مسار المواجهة والتهدئة ".

‏⁧‫#صالح_أبوعوذل