الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 01:03 م
منذ اسابيع، تحاول المملكة العربية السعودية تسويق رواية مفادها أن تحركات القوات المسلحة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة تشكّل تهديدًا لأمنها القومي. غير أن هذه الرواية، عند إخضاعها للوقائع والوثائق، لا تصمد أمام أبسط اختبار للحقيقة، بل تكشف محاولة مكشوفة للتغطية على فشل سياسي وخرق قانوني، وربما جرائم ترقى إلى مستوى جرائم الحرب.
فوجود القوات المسلحة الجنوبية في حضرموت والمهرة لم يكن وليد لحظة ولا نتيجة اندفاع عسكري مفاجئ، بل كان استحقاقًا سياسيًا وعسكريًا نصّ عليه اتفاق الرياض الموقّع في نوفمبر 2019، بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وبرعاية وضمانة سعودية مباشرة. الاتفاق نص بوضوح على إخراج القوات الشمالية من هاتين المحافظتين، ونقلها إلى مأرب لمواجهة الحوثيين، وتسليم مواقعها لقوات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي.
لكن ما الذي حدث؟
لم تُنفّذ بنود الاتفاق، لا جزئيًا ولا كليًا. بل جرى الالتفاف عليه عبر تحالفات ظرفية، ومساومات سياسية، وتحريض واضح لقوى الإخوان المسلمين لتعطيل الانسحاب، إلا بشروط تخدم النفوذ السعودي، لا نص الاتفاق. ومع مرور الوقت، تحوّل الضامن إلى معطّل، ثم إلى طرف منحاز، وأخيرًا إلى طرف مهاجم.
المفارقة الصادمة أن السعودية، التي لم تستخدم قوتها العسكرية لإجبار القوات الموالية للإخوان على تنفيذ الاتفاق، لم تتردّد في استخدام طيرانها الحربي لقصف القوات المسلحة الجنوبية، وهي قوات حليفة شاركت ضمن التحالف العربي، وقدّمت تضحيات كبيرة في مواجهة التنظيمات الإرهابية.
هنا، يصبح السؤال مشروعًا:
بأي منطق يُقصف من يطالب بتنفيذ اتفاق رعته المملكة، بينما يُحمى من عطّله؟
الذرائع الأمنية سقطت نهائيًا عند معسكر الخشعة (اللواء 37 مدرع سابقًا). فهذا الموقع، الذي لا يشكّل أي تهديد جغرافي أو عسكري للأمن القومي السعودي، تبيّن بعد السيطرة عليه أنه يخفي ما هو أخطر: شبكات تهريب نفطي، منشآت غير قانونية، ومحطات تكرير بدائية تعمل خارج إطار الدولة. عند هذه النقطة، لم يعد الصراع سياسيًا فقط، بل أصبح اقتصاديًا بامتياز.
إصرار السعودية على استعادة هذا الموقع، ثم اللجوء إلى القصف الجوي بعد فشل الضغوط السياسية، يكشف أن المسألة لم تكن مرتبطة بأمن الحدود، بل بمنع انكشاف ملفات حساسة تتعلق بنهب الثروات. وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة الدور السعودي في المحافظات الشرقية.
القصف الجوي الذي استهدف القوات المسلحة الجنوبية وميناء المكلا لا يمكن تبريره عسكريًا ولا قانونيًا. فهو:
استهدف قوات حليفة،
ووقع خارج إطار تفويض التحالف العربي،
وأسفر عن ضحايا مدنيين وعسكريين،
ما يجعله خرقًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، ويستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا، لا بيانات تبرير سياسية.
محاولة تصوير المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي كطرف متمرّد أو مهدد للاستقرار، لا تعدو كونها قلبًا للحقائق. فالانتقالي قبل بالشراكة، وقبل بقوات موالية للسعودية في تأمين الحدود والمنفذ البري، وذهب إلى أبعد حد في طمأنة المملكة. ومع ذلك، كان الرد هو القصف لا الحوار.
الخلاصة بسيطة، مهما حاولت الروايات الرسمية تعقيدها:
حين تفشل السياسة، ويُعطَّل الاتفاق، ويُقصف الحليف، لا يعود السؤال: من خرق الاتفاق؟
بل يصبح السؤال الأهم: من يجب أن يُحاسَب؟
وهنا، لا يمكن القفز على الحقيقة:
السعودية، بوصفها الضامن لاتفاق الرياض، تتحمّل المسؤولية الأولى عمّا آلت إليه الأوضاع، سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا.
الصحفي صالح حقروص
2026/1/28م