الأحد - 01 فبراير 2026 - الساعة 02:51 م
قراءة نقدية في مسار مؤتمر الرياض وتمثيل الجنوب
في كل مرة يُعلن فيها عن مؤتمر أو حوار سياسي يُفترض أنه يبحث جذور الأزمة في الجنوب، يتجدد السؤال ذاته: لماذا يتم تجاوز النخب السياسية والأكاديمية الجنوبية، واستدعاء شخصيات هامشية لا تمتلك مشروعًا ولا رؤية، سوى قدرتها على إثارة الضجيج وترديد ما يُطلب منها؟
إن تغييب الكفاءات الأكاديمية من جميع جامعات المحافظات الجنوبية، ليس مجرد خطأ بروتوكولي أو سهو تنظيمي، بل هو خيار سياسي يعكس طبيعة المقاربة المتبعة لإدارة الملف الجنوبي. فالنخب الجامعية ليست مجرد حملة شهادات، بل تمثل الذاكرة المعرفية للمجتمع، وتمتلك أدوات التحليل العلمي، والفهم التاريخي، والقدرة على صياغة حلول واقعية قابلة للتطبيق.
ما يجري يوحي بأن المطلوب من مؤتمر الرياض – وأمثاله – ليس الوصول إلى حلول جذرية، بقدر ما هو احتواء اللحظة السياسية وإدارة الأزمة بأقل كلفة ممكنة. ولهذا يتم تفضيل “الشرعية الصوتية” على “الشرعية المعرفية”، واستدعاء من يجيد الخطابة أو الاستعراض الإعلامي، على حساب من يجيد التفكير والتشخيص وبناء البدائل.
النخب الأكاديمية بطبيعتها مزعجة للسلطة السياسية؛ لأنها تطرح أسئلة صعبة، وتفكك المسلمات، ولا تقبل الحلول الجاهزة أو المعلبة. إشراكها يعني فتح نقاش حقيقي حول جذور الصراع، وطبيعة الدولة، وشكل العلاقة بين الأطراف، ومستقبل الجنوب سياسيًا واقتصاديًا. وهذا النوع من النقاش لا يبدو مرغوبًا فيه لدى من يريد مؤتمرًا “ناجحًا شكليًا” لا “منتجًا فعليًا”.
إن استبعاد الصفوة الفكرية الجنوبية يفرغ أي حوار من محتواه، ويحوله إلى منصة لإعادة تدوير الأزمة بدل حلها. فلا يمكن بناء سلام مستدام أو صياغة إطار سياسي جاد دون إشراك من يمتلكون المعرفة والخبرة والاستقلالية الفكرية. فالدول لا تُبنى بالهتاف، ولا تُدار بالمهرجين، بل بالعقول القادرة على الرؤية والتخطيط.
إذا كانت هناك جدية حقيقية في إنجاح مؤتمر الرياض أو أي مسار حواري قادم، فإن إعادة الاعتبار للنخب الأكاديمية والسياسية الجنوبية باتت ضرورة لا خيارًا. أما الاستمرار في تهميشها، فلن يؤدي إلا إلى إنتاج مؤتمرات بلا روح، وبيانات بلا أثر، وأزمات مؤجلة إلى جولات قادمة أكثر تعقيدًا.
وحدها النخب الحقيقية قادرة على تحويل الحوار من حدث عابر إلى مسار تاريخي. وما عدا ذلك، ليس سوى إدارة مؤقتة للفشل.
الصحفي صالح حقروص
2026/2/1م