الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 04:53 م
من حق أي شعبنا يطالب بتقرير مصيره، ومن حق الجنوبيين أن يتمسكوا بحقهم في استعادة دولتهم السابقة وهذه إرادتهم الحرة. القضية في جوهرها ليست نزاعاً إدارياً ولا خلافاً سياسياً عابراً، بل مسألة هوية وسيادة وحق تاريخي
. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: من أين يُصنع هذا القرار؟ ومن يملك مفاتيحه؟
لقد تصدّر قادة الحراك والمقاومة المشهد في لحظة مفصلية، وكانوا حاضرين على الأرض سياسياً وعسكرياً وإعلامياً. تلك المرحلة منحتهم شرعية واقعية مستمدة من الميدان. غير أن التحولات الإقليمية، وتداخل المصالح، والصراعات الداخلية، دفعت بكثير من هؤلاء القادة إلى خارج الجغرافيا التي يقولون إنهم يناضلون من أجلها. وهنا بدأ التناقض الصارخ: قضية تُرفع باسم الأرض، بينما قرارها يتحرك خارجها.
بعد انتهاء دور الإمارات العربية المتحدة ، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في المعادلة الجنوبية، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. هذا الحضور الكثيف جعل كثيرين يتساءلون: هل نحن أمام دعم سياسي مرحلي؟ أم أمام وصاية طويلة الأمد؟ أم أمام واقع جديد يعيد تشكيل الجنوب وفق اعتبارات إقليمية لا وطنية؟
الحديث عن “استعادة الجنوب من الرياض” يطرح إشكالية عميقة. فالدول، عبر التاريخ، لا تُستعاد بقرارات خارجية، بل تُنتزع بإرادة داخلية واضحة، وتنظيم سياسي موحّد، ومؤسسات قائمة على الأرض، وبرنامج وطني جامع. الخارج قد يدعم، قد يضغط، قد يفاوض، لكنه لا يصنع مشروعية لا تستند إلى قاعدة داخلية صلبة.
الأخطر من ذلك هو ترسيخ وعي سياسي يقوم على انتظار الحل من العواصم. هذا المنطق يُضعف البنية الوطنية، ويحوّل القضية من مشروع تحرر إلى ملف تفاوض إقليمي. وعندما تتحول قضية شعب إلى ورقة في حسابات الدول، فإن أول ما يُضحّى به هو جوهرها الأصلي.
لا يمكن إنكار أن التحالفات الإقليمية لعبت دوراً حاسماً في تغيير موازين القوى في الجنوب، وأن الدعم الخارجي كان عاملاً مؤثراً في لحظات معينة. لكن الدعم شيء، وتسليم القرار شيء آخر. الفارق بين الشراكة والارتهان هو استقلال الإرادة.
إن من يطالبون باستعادة الدولة الجنوبية يواجهون اليوم تحدياً مزدوجاً:
أولاً، توحيد الصف الداخلي وإنهاء حالة التشظي والصراعات البينية.
وثانياً، استعادة القرار السياسي إلى الداخل، بحيث يكون أي انخراط خارجي في إطار دعم خيار وطني، لا توجيهه أو صياغته.
وصف الواقع بأنه “شبه احتلال” أو “وصاية” يعكس شعوراً متنامياً لدى قطاعات من الشارع بأن القرار لم يعد جنوبياً خالصاً. هذه المشاعر، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، لا يمكن تجاهلها أو تخوينها، بل يجب التعامل معها بجدية ومسؤولية. فالثقة الشعبية هي رأس المال الحقيقي لأي مشروع سياسي.
إن استعادة الجنوب – إن كانت هدفاً سياسياً قائماً – لا يمكن أن تكون منحة من الخارج، ولا نتيجة صفقة إقليمية. إنها مشروع يحتاج إلى وضوح رؤية، وبناء مؤسسات، وحضور قيادي فعلي داخل الأرض، لا خارجها. يحتاج إلى خطاب صادق يواجه الناس بالحقائق، لا يبيعهم أوهام المواعيد القادمة من خلف الحدود.
في النهاية، القضية ليست في الرياض أو أبوظبي بقدر ما هي في عدن، والمكلا، والمهرة، وكل مدينة وقرية جنوبية. هناك فقط تُصاغ الإرادة، وهناك فقط يُختبر صدق القيادات.
فالتاريخ علّمنا درساً واحداً لا يتغير:
الحرية لا تُستورد… والسيادة لا تُهدى… والدولة لا تُولد في العواصم البعيدة، بل في قلب الأرض التي تنادي بها
د. عبدالله عبدالصمد