السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 06:42 م
لسنا هنا للحديث عن التاريخ العريق الذي تستمد منه يافع قوتها وثباتها في حاضرها ومستقبلها، ذلك التاريخ الجنوبي المشرف الذي تشكلت ملامحه بهوية وطنية جنوبية راسخة امتدت على مساحة الجنوب العربي طولًا وعرضًا، وظلت حاضرة في وجدان أبنائه عبر مختلف المراحل والمنعطفات.
اليوم، تختتم يافع مهرجاناتها العيدية بصورة مشرّفة تليق بمكانتها الوطنية، مؤكدة أصالة انتمائها الجنوبي، بعدما احتضنت خلال أيام المهرجانات أبناء الجنوب كافة، ورفعت الراية الجنوبية عالية خفاقة، في رسالة واضحة تؤكد التمسك بالهوية الوطنية الجنوبية والالتفاف حول القضية العادلة لشعب الجنوب.
ومن على قممها الشامخة، توجه يافع تحية إجلال لشعب الجنوب الصامد، وتؤكد أن الجنوب العربي وطن وهوية جامعة لكل أبنائه، وأن إرادة شعب الجنوب الممتدة من المهرة إلى باب المندب تمثل القوة الحقيقية التي لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها. كما تؤكد أن شعب الجنوب، مهما واجه من عقبات أو عراقيل، ماضٍ نحو تحقيق تطلعاته الوطنية واستعادة دولته، وهو وحده صاحب الحق في اختيار المسار السياسي الذي يحقق أهدافه وآماله.
وأثبتت احتفالات يافع، بما شهدته من حضور وتفاعل ورسائل وطنية، أن إرادة الشعوب لا تُقاس بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على الصمود والثبات. فقد أكدت هذه الاحتفالات أن الواقع واتجاهات تطوره تمضي بإرادة الله أولًا ثم بإرادة شعب الجنوب، لا بالإغراءات المادية ولا بالضغوط والتهديدات، ولا حتى بحرب الخدمات المستمرة التي تستهدف إنهاك المواطنين. وعلى الرغم من كل ذلك، أثبت الشعب الجنوبي قدرته على الصبر والتحمل والتضحية، وتحولت المعاناة إلى دافع يعزز تمسكه بأهدافه الوطنية ويقربه أكثر من تحقيقها.
وفي المقابل، تكشف التطورات المتلاحقة حجم التراجع الذي أصاب القوى التي حاولت أن تضع نفسها بديلًا عن إرادة الشعب أو وصية عليه. فمع كل يوم تتسع مساحة الوعي الشعبي وتتراجع قدرة تلك القوى على التأثير، بينما تتكشف الحقائق وتسقط الصور التي سعت إلى ترسيخها حول نفسها. كما أن استمرار تدهور الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية لا يؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان الشعبي وتسريع وتيرة المطالبة بالتغيير.
لقد سمعنا في مراحل مختلفة حديثًا متكررًا عن عدالة القضية الجنوبية؛ فالدكتور رشاد العليمي يتحدث عنها اليوم، وقبله تحدث عنها عفاش والجنرال الأحمر وغيرهم. غير أن المشكلة لم تكن يومًا في الاعتراف اللفظي بالقضية، بل في الكيفية التي جرى التعامل بها معها سياسيًا. فقد سعت تلك القوى إلى إبقائها ضمن أطر لا تفضي إلى معالجة جوهرها، فاشترطت أن تكون مجرد بند ضمن حوار صنعاء، ثم أُريد لها أن تكون آخر بند على جدول أعمال مؤتمر موفمبيك وكأنها قضية هامشية يمكن الوصول إليها في نهاية المطاف كتحصيل حاصل، ووجدت تلك الطروحات للأسف من ينساق خلفها من بعض الجنوبيين.
واليوم تتكرر المحاولات ذاتها ولكن بصيغ مختلفة، إذ يسعى البعض إلى تحويل القضية الجنوبية من إطارها السياسي والتفاوضي الحقيقي إلى إطار خلافات جنوبية داخلية، وتقديمها باعتبارها قضية بينية بين محافظات الجنوب أو موضوعًا للصراع الجنوبي – الجنوبي. والحال أن القضية الجنوبية ليست كذلك، فجوهرها يرتبط بالمسار التفاوضي الجنوب العربي – اليمن الشمالي، باعتباره الإطار السياسي الذي يناقش حق شعب الجنوب ومستقبله السياسي.
أما الساحة الجنوبية، فمجالها الطبيعي هو الحوار حول شكل الدولة الجنوبية القادمة وآليات بنائها وترتيباتها السياسية والإدارية، وليس حول أصل القضية الجنوبية أو حق شعب الجنوب في استعادة دولته. ولذلك فإن أي محاولة لنقل القضية من مسارها التفاوضي الجنوبي العربي – اليمني إلى ملعب الخلافات الجنوبية الداخلية لا تخدم سوى إطالة أمد الأزمة وكسب المزيد من الوقت وفرض مسارات سياسية لا تستجيب لتطلعات شعب الجنوب.
ولعل اللافت أن كثيرًا ممن يتحدثون عن القضية الجنوبية يكررون عبارة واحدة بمناسبات مختلفة مفادها أنهم يريدون قضية جنوبية ولكن من دون المجلس الانتقالي وقيادته السياسية، وهو ما يعني عمليًا الرغبة في استبعاد الحامل السياسي للقضية، وإدارتها عبر إجراءات أمنية أو إدارية أو حوارات شكلية لا تعالج جوهرها ولا تستجيب لمطالب شعب الجنوب.
ختامًا، فإن استمرار تدهور الخدمات وتسارع الأوضاع المعيشية نحو مزيد من التعقيد من شأنه أن يدفع باتجاه تصاعد الحراك الشعبي، وقد بدأت بعض مؤشراته بالظهور خلال الفعاليات والوقفات الشعبية الأخيرة، ومنها ما شهدته ساحة الحرية (ساحة العروض) يوم الخميس الماضي بمشاركة حرائر الجنوب. ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع الفاعلين قراءة الواقع بوعي ومسؤولية، والعمل على تصحيح المسار ومعالجة الأسباب الحقيقية للأزمة قبل أن تتفاقم تداعياتها بصورة يصعب احتواؤها.
لقد كانت يافع، كما كانت دائمًا، حاضرة في اللحظات المفصلية من تاريخ الجنوب، وها هي اليوم تجدد رسالتها الوطنية الواضحة: أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن قضية الجنوب ستظل حية في وجدان أبنائه حتى تحقيق تطلعاتهم الوطنية التي يؤمنون بها ويتمسكون بها.