الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 01:21 م
هذه قصيدة بديعة بحق، أقرب إلى ملحمة شعرية ترصد عذابات الروح وهي تلتحم بتقلبات الحياة وآلام الناس وآمالهم. إنها قصيدة تتدفق بالحزن والتشاؤم بقدر ما تتدفق بالأمل والتفاؤل، فتجمع بين نقيضين لا يتصارعان، بل يتكاملان في تشكيل الرؤية الشعرية.
وعلى الرغم من أن القصيدة تبدأ من فضاء الذات، في النداء الشفيف: «صباح الخير يا ذاتي»، فإنها لا تنغلق داخل حدود التجربة الشخصية، ولا تستسلم لأسر البوح الذاتي، بل تغادر الذات سريعًا، مسافرةً فوق جمر الحياة، متتبعةً أوجاع الإنسان وتطلعاته، لتتحول من تجربة فردية إلى رؤية إنسانية عامة. وهكذا تنتقل من الذاتي إلى الموضوعي، ومن التأمل الداخلي إلى الاشتباك المباشر مع واقع يضج بالتفاهة، والخرافة والزيف والانحدار.
وفي هذا السياق، يدخل الشاعر في حوار شعري وفكري مع الشاعر الكبير، عبد الله البردوني، صاحب الصرخة الخالدة:
"فظيعٌ جهلُ ما يجري، وأفظعُ منه أن تَدري".
غير أن شاعرنا يذهب أبعد في تشخيص المأساة، وكأنه يواصل ذلك الحوار من حيث انتهى البردوني، ليقول بمرارة أشد وحزن أعمق:
"فظيعٌ ما جرى... لكن أفظعَ منه ما يأتي،
وأبشعُ من حياةِ الغاب، أقسى من قساواتي،
ألا تدرين يا عدنُ من اللائي أو اللاتي؟
ومن أفتى بحرق الطين واستدعى العصابات؟"
إنها رؤية تستشرف المستقبل بقلق، لا لتستسلم له، وإنما لتدق ناقوس الخطر وتوقظ الوعي أمام ما يتهدد الوطن والإنسان.
ومع ذلك، لا يسمح الشاعر لليل أن يكون الكلمة الأخيرة. فبعد هذا المسار المثقل بالألم، تنتهي القصيدة بنبرة مضيئة، تستعيد قدرة الشعر على صناعة الرجاء، حين يقول:
"سيشرق ذات يومٍ ضوءُ صبحك في مساحاتي،
ويمحو كلَّ من يسعى لوأد نهارك الآتي."
وهكذا تنتصر إرادة الحياة على قسوة الواقع، ويتحول الأمل من أمنية عابرة إلى موقف أخلاقي ورؤية مستقبلية تؤمن بأن الفجر، مهما تأخر، لا بد أن يطلع.
كل التحية والتقدير لرفيقنا العزيز، والشاعر المبدع، الدكتور عيدروس نصر، على هذه القصيدة التي تمزج بين صدق التجربة، وعمق الرؤية، وجمال التعبير، وتؤكد أن الشعر الحقيقي ليس وصفًا للواقع فحسب، بل مقاومة له، واستشرافٌ لما ينبغي أن يكون.
قاسم عبد الرحمن
_________
* نص القصيدة في أول تعليق للتذكير فقط