الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 02:43 م
لم يخطئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حين صرّح في نوفمبر 2018 بأن إسرائيل "ستكون في ورطة كبيرة لولا السعودية". لكن الخطأ الأكبر يكمن في أن هذه العبارة التي كان يفترض أن تكون جرس إنذار للرياض، مرّت عليها القيادة السعودية وكأنها وسام فخر، لا وثيقة اتهام.
السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه اليوم على صنّاع القرار في المملكة ليس: "هل نخدم إسرائيل؟" فالأدلة التاريخية المدموغة بالدماء تؤكد ذلك. السؤال الأكثر إيلاماً هو: "هل ندرك أننا في قائمة الانتظار التالية؟"
عندما يدفع المال السعودي ثمناً لتفكيك العرب
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحت شعار "تحرير الكويت"، انطلقت آلة الحرب الأمريكية بدعم مالي سعودي غير مسبوق. لكن النتيجة لم تكن تحرير الكويت فحسب، بل كانت تدمير الجيش العراقي الذي كان يُعدّ الرقم الصعب الوحيد القادر على موازنة إسرائيل عسكرياً. ذلك الجيش الذي شارك في حرب 1973 وكبّد إسرائيل خسائر فادحة، وقصفها بالصواريخ في 1991، تم تفكيكه بتمويل خليجي تحت ذريعة الدفاع عن الحدود.
لم تكتفِ اليد الخفية بذلك، بل انتقلت إلى اليمن الجنوبي في حرب 1994. حينها وقفت السعودية مع الجنوب ظاهرياً، لكنها تراجعت فجأة وسمحت للشمال باجتياحه. لماذا؟ لأن جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كان قد أغلق باب المندب في 1973، وشارك في حرب لبنان 1982، وأقام معسكرات تدريب للمقاومة الفلسطينية. كان جيشاً يشكل "خطراً استراتيجياً" على إسرائيل، فتم تصفيته، مرة أخرى بمباركة ودعم غير مباشر من الرياض.
الربيع العربي: حين أدركت الإمارات ما غفلت عنه السعودية
عندما انطلقت رياح الربيع العربي في 2011، كان المشروع إسرائيلياً بامتياز، يستهدف تدمير القدرات العسكرية للدول العربية الكبرى. نجح المخطط في ليبيا وسوريا، وكاد ينجح في مصر لولا وعي الجيش المصري، وإدراك الإمارات المبكر للخطر. هنا يظهر الفارق الاستراتيجي: الإمارات أدركت أن سقوط مصر يعني أن الدور القادم سيكون على السعودية والخليج، فأقنعت الرياض بالتراجع والوقوف إلى جانب القاهرة.
هذا المشهد يكشف حقيقة مؤلمة: السعودية لم تكن تمتلك الرؤية الاستراتيجية الكافية لإدراك الخطر بنفسها، بل احتاجت إلى من يوقظها.
صالح والحوثي: من العميل إلى الورقة الإسرائيلية الجديدة
كان علي عبد الله صالح واحداً من كبار عملاء أميركا وإسرائيل، لكن تمرده عليهما جعله هدفاً في المخطط ذاته. أوكلت مهمة تنفيذ القضاء عليه للسعودية، التي كانت تخطط لذلك منذ 2000، بعد أن شعرت بتهديد جيشه في العرض العسكري الضخم بصنعاء. ورغم نجاح الرياض في تدمير ذلك الجيش، إلا أنها صنعت كابوساً جديداً هو الحوثي، الذي تحول إلى ورقة ضغط إسرائيلية أميركية لخنق مصر اقتصادياً، وإجبار السعودية على التطبيع، أو في أسوأ الأحوال، تمهيد الطريق لتقسيم المملكة نفسها.
أين الخلل في العقلية السعودية؟
المشكلة ليست في قوة المال، وليست في عمق العلاقة مع واشنطن. المشكلة تكمن في خلل استراتيجي واضح:
· الأول: الاعتقاد بأن شراء الذمم الأميركية يعدل من أولوياتها، بينما تظل إسرائيل في القمة دائماً، والمملكة في المرتبة الثانية، وهذا الترتيب لا يضمن الحماية، بل يضمن الاستنزاف.
· الثاني: تحويل الأعداء الحقيقيين إلى حلفاء، وتحويل الحلفاء المخلصين (كالجيوش العربية القوية) إلى أعداء يتم تفكيكهم.
قبل أسابيع، استكملت السعودية كل الترتيبات للحرب على الحوثي، لكن تدخلات خارجية أوقفتها. ومن يمنعها اليوم؟ نفس الجهات التي تستخدم الحوثي كأداة للضغط عليها.
الخلاصة: متى تستيقظ الرياض؟
المملكة اليوم تقف على مفترق طرق. المشروع الصهيوني للشرق الأوسط الجديد لا يهدف إلى إضعاف إيران فحسب، بل يهدف إلى تغيير خريطة المنطقة بالكامل، وصولاً إلى تفكيك الدول الكبرى، والسعودية على رأس القائمة بعد تدمير كل الجيوش العربية المحيطة بها.
إن استمرار السياسة المتخبطة، وغياب القراءة الاستراتيجية المستقلة، وإصرار الرياض على تنفيذ أجندات لا تخدم إلا الكيان الصهيوني، سيجعلها حتماً الضحية المقبلة. والآن، بينما يُمنع السعوديون من القضاء على الحوثي، عليهم أن يسألوا أنفسهم:
لمن نحرق جيوش العرب؟ ولمن نفتح حدودنا؟ ولمصلحة من نفرّق وحدتنا؟
الإجابة ستكون مفتاح البقاء أو الزوال.