الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 01:24 م
يحمل البلاغ الصحفي الصادر عن الاجتماع الاستثنائي الموسع لقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في العاصمة عدن، اليوم 4 أكتوبر 2026، أكثر من مجرد إعلان عن فعالية جماهيرية مقررة في الرابع عشر من أكتوبر. فالبلاغ يضع جملة من الملفات السياسية والأمنية والوطنية في إطار واحد، ويقدم التعبئة الشعبية باعتبارها وسيلة للتأكيد على حضور القضية الجنوبية ومشروع المجلس السياسي في هذه المرحلة.
أبرز ما يلفت في البلاغ هو الإعلان عن تنظيم «مليونية التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب العربي وقضيته الوطنية». اختيار هذا التوقيت، المتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، يمنح الفعالية بعدًا رمزيًا واضحًا، إذ يسعى البلاغ إلى الربط بين الذاكرة التاريخية للثورة وبين الموقف السياسي الراهن للمجلس.
ومن الناحية السياسية، يعكس البلاغ رغبة قيادة المجلس في إظهار أن مشروعها لا يزال قائمًا على تعبئة القاعدة الشعبية، وليس على النشاط السياسي والمؤسساتي وحده. فالدعوة الموجهة إلى أبناء المحافظات الجنوبية للمشاركة الواسعة تهدف، وفق مضمون البلاغ، إلى إظهار حجم التأييد الشعبي للمواقف التي تتبناها قيادة المجلس.
وفي الوقت نفسه، يضع البلاغ التعبئة في سياق أمني وعسكري أوسع. فهو يشير إلى الحوثيين والجماعات الإرهابية وما يسميه أشكال الوصاية والاحتلال باعتبارها تحديات تواجه الجنوب. وهذا يعكس محاولة لربط القضية السياسية بمسألة حماية الأرض والأمن، وهي معادلة تحضر بقوة في الخطاب السياسي الجنوبي خلال السنوات الماضية.
لكن أهمية البلاغ لا تتوقف عند الدعوة إلى المليونية؛ إذ يتضمن أيضًا موقفًا واضحًا من تشكيل ما يسميه «المجالس التنسيقية»، ويطالب بإسقاطها. وهنا ينتقل الخطاب من التعبئة العامة إلى التنافس على التمثيل السياسي والاجتماعي في الجنوب، بما يجعل هذه النقطة واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في المرحلة المقبلة.
كما أن الإشارة إلى «استعادة الدولة الجنوبية الفدرالية» تؤكد أن الهدف المعلن للمجلس يتجاوز إدارة الملفات اليومية إلى مشروع سياسي يتعلق بمستقبل شكل الدولة وموقع الجنوب فيها. ومن ثم، فإن المليونية المنتظرة يمكن قراءتها أيضًا باعتبارها مناسبة لإعادة التأكيد على هذا المشروع وإظهار مستوى الحضور الشعبي الذي يستطيع المجلس حشده.
في المحصلة، يقدم البلاغ ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى رمزي يرتبط بذكرى ثورة 14 أكتوبر، ومستوى شعبي يتمثل في الدعوة إلى التعبئة والمليونية، ومستوى سياسي يتعلق بمشروع الدولة الجنوبية وبالصراع على التمثيل السياسي للجنوب.
ويبقى السؤال الأهم ليس فقط حول حجم المشاركة في فعالية 14 أكتوبر، وإنما حول ما إذا كانت التعبئة الشعبية ستتحول إلى مسار سياسي أكثر وضوحًا، وكيف ستنعكس على علاقات القوى الجنوبية وعلى المشهد الأوسع. فالمظاهرات والفعاليات الجماهيرية تستطيع التعبير عن اتجاهات سياسية مهمة، لكن تحويل هذا التعبير إلى ترتيبات سياسية مستدامة يظل مرتبطًا بموازين القوى، وبطبيعة التوافقات والخلافات الداخلية، وبمسار التسوية السياسية في اليمن.