السبت - 17 أكتوبر 2026 - الساعة 04:34 م
لم تدخل السعودية اليمن لتحرّر صنعاء، بل لتعيد رسم اليمن. لم تكن الشرعية سوى العنوان الظاهر، أما الفصول الخفية فكانت تُكتب على خرائط النفط والغاز والممرات البحرية.
من يقرأ المشهد بعمق يدرك أن الرياض لم تُهزم في الميدان بالمعنى التقليدي، بل هُزمت في اللحظة التي تحوّل فيها الهدف من إنقاذ الدولة إلى تفكيكها، ومن دعم الشرعية إلى اقتناص الغنائم.
الحرب التي أعلنتها الرياض كانت تُقدّم للعالم كمعركة ضد مليشيات الحوثي، وتحرير العاصمة صنعاء، ودعم الشرعية. لكن الواقع يقول إن المهمة الأساسية لم تكن يومًا الأولوية الحقيقية.
فبدلًا من حسم المعركة في صنعاء، انشغلت السعودية بإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة والثروة.
أرادت أن تُدمّر قدرات اليمن العسكرية، ثم تُضعف دولته، ثم ترسم خارطة طريق توافق مصالحها، لا مصالح الشماليين ولا الجنوبيين.
وفي عام 2000، وقّعت السعودية والجمهورية اليمنية اتفاقية ترسيم الحدود. وبموجبها تنازل اليمن عن أراضٍ في جيزان ونجران وعسير والشرورة والوديعة وخرخير وعروق الشيبة وغيرها.
لكن الثمن لم يكن حدوديًا فقط، بل كان سياسيًا: أن تكون السعودية مع الشمال ضد الجنوب، وألا تدعم مطالب الجنوب في الاستقلال واستعادة دولته وعاصمتها عدن. هكذا رُبطت الجغرافيا بالمصالح، ورُسمت المعادلة على حساب اليمن أرضًا وإنسانًا.
ثم جاء عام 2026، لتغدر السعودية بالجنوب العربي وبالإمارات، لا لأن اللحظة عابرة، بل لأن الأطماع الجديدة صارت أقرب.
فالأهداف الاستراتيجية التي تبحث عنها الرياض اليوم تتمثل في السيطرة على الثروات النفطية والغازية في حضرموت وشبوة والمهرة، والحصول على منفذ بحري على البحر العربي، لتنفيذ مشروع مد أنبوب النفط السعودي عبر البحر العربي، لتجاوز تهديد إغلاق مضيق هرمز. هذا هو الهدف الحقيقي. أما الشرعية، فكانت مجرد غطاء.
لكن الطمع لا يشبع، والمأزق لا يتسع. فإذا أرادت السعودية إرضاء الشماليين، خسرت الجنوبيين ومطالبهم في الاستقلال واستعادة الدولة وعاصمتها عدن. وإذا أرادت إرضاء الجنوبيين، خسرت الشماليين ومكاسب اتفاقية 2000. وهكذا وقفت بين نارين: نار الوحدة التي يرفضها الجنوبيين، ونار الاستقلال الذي يخيف مصالح الشمال. وفي النهاية، لن تقف إلا مع من يمنحها أطماعها الجديدة، لكنها في الحالتين ستخسر أحد الطرفين.
الحقيقة التي لا تُقال بصراحة: السعودية لم تدخل الحرب من أجل اليمن، بل من أجل نفسها. لم تقاتل من أجل الشماليين ولا الجنوبيين، بل من أجل خريطة مصالحها. أرادت أن تُدمّر قدرات اليمن العسكرية، ثم تُعيد ترتيب الدولة وفق ما يتوافق مع أطماعها، لا وفق ما يريده أبناء الجمهورية العربية اليمنية أو أبناء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وهكذا، قادت السعودية أطماعها إلى التهلكة. أرادت الشرعية والثروة، الشمال والجنوب، البر والبحر، النفط والمنفذ. ومن أراد كل شيء، خسر كل شيء. لم تُهزم في الميدان فقط، بل هُزمت أمام نفسها. كانت صنعاء عنوانًا، واليمن ساحة، والثروة غاية. فإذا كانت الغاية غير معلنة، كان الفشل معلنًا.
الخلاصة:
السعودية لم يُفشلها اليمن، بل أفشلتها أطماعها. ومن لا يعرف لماذا يحارب، لا يعرف كيف ينتصر، ولا كيف يخرج. لقد دخلت الحرب بخطاب الشرعية، لكنها خرجت بمأزق الاستراتيجية. وهكذا تبقى الرياض عالقة بين مطالب الشمال ومطالب الجنوب، بين مكاسب 2000 وأطماع 2026، بين ما أرادت وما استطاعت.