مقالات


الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 05:37 م

الكاتب: صالح حقروص - ارشيف الكاتب



لم يعد التحذير من مخاطر تعدد التشكيلات المسلحة في محافظة شبوة مجرد موقف سياسي عابر، بل بات قضية تمس جوهر الأمن والاستقرار ومستقبل الجنوب العربي، في ظل التعقيدات التي تحيط بالمشهد العسكري والسياسي، وما تثيره التحركات الرامية إلى إنشاء تجمعات ومعسكرات تدريب جديدة من تساؤلات بشأن أهدافها ومرجعياتها وانعكاساتها المحتملة على أمن المحافظة وتماسك مجتمعها.

ومن هذا المنطلق، يأتي النداء العاجل الصادر عن الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة شبوة، بتاريخ 20 أكتوبر 2026م، ليضع أمام الرأي العام قضية بالغة الأهمية، تتجاوز حدود التحذير من تشكيلات عسكرية جديدة إلى مناقشة مستقبل القرار الأمني، ومخاطر استقطاب الشباب، واحتمالات تحويل المحافظة إلى ساحة للتجاذبات والصراعات السياسية والإقليمية.

إن جوهر القضية لا يتعلق بمجرد إنشاء معسكر هنا أو مركز تدريب هناك، وإنما بطبيعة المشروع الذي تقف وراءه هذه التشكيلات، والجهة التي تتبعها، والهدف الذي أُنشئت من أجله، ومدى انسجامها مع متطلبات الأمن والاستقرار ومصالح أبناء شبوة والجنوب.

فالتجارب التي مرت بها المنطقة أثبتت أن تعدد التشكيلات المسلحة، عندما يقترن بتباين الولاءات وتضارب المرجعيات، قد يتحول من عامل يُفترض أنه يعزز الأمن إلى مصدر للتوتر وعدم الاستقرار، خصوصاً عندما تصبح القوة العسكرية وسيلة للتنافس السياسي أو فرض الوقائع على الأرض.

ومن هنا، فإن المخاوف التي أثارها بيان المجلس الانتقالي تستدعي إجابات واضحة ومسؤولة من الجهات المعنية، بشأن طبيعة التحركات العسكرية في شبوة، وأهدافها، والمرجعيات التي تنظم عملها، والضمانات التي تحول دون استخدامها في صراعات لا تخدم المحافظة ولا أبناءها.

إن شبوة ليست بحاجة إلى سباق جديد على استقطاب أبنائها، بقدر حاجتها إلى منظومة أمنية واضحة وموحدة، تحمي المجتمع وتصون الاستقرار وتمنع تضارب مراكز القرار.

وتزداد خطورة هذه القضية حين نضع الشباب في قلب المشهد. فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل أو مصدر دخل أو مستقبل أفضل قد يجد نفسه أمام إغراءات التجنيد والوعود المالية والشعارات السياسية، من دون أن تتضح له دائماً طبيعة المخاطر التي قد تترتب على انضمامه إلى تشكيل عسكري جديد.

ولهذا، فإن دعوة الآباء وأولياء الأمور إلى التريث وعدم الدفع بأبنائهم نحو معسكرات وتشكيلات غير واضحة الأهداف، تمثل رسالة اجتماعية مهمة، عنوانها أن حياة الشباب ومستقبلهم أكبر من أن يتحولا إلى وقود للتنافس السياسي أو الحسابات العسكرية.

فالشباب هم ثروة شبوة والجنوب الحقيقية، وحمايتهم مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، ولا تنتهي عند القيادات السياسية والعسكرية والسلطات المعنية. ولا يمكن بناء مستقبل مستقر في ظل استنزاف طاقات الشباب في صراعات متكررة، بدلاً من توجيهها نحو التعليم والعمل والتنمية والمشاركة في بناء المجتمع.

أما على المستوى السياسي، فإن ما يطرحه النداء بشأن التجارب السابقة، ومنها تجربة تشكيل قوات «درع الوطن»، يعكس حجم الحساسية المحيطة بملف التشكيلات العسكرية في الجنوب، وعلاقته بمستقبل القضية الجنوبية وتوازنات القوى على الأرض.

ومهما اختلفت المواقف من هذه التجارب، فإن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة إخضاع أي ترتيبات عسكرية لمعايير واضحة من الشفافية والمساءلة، وتحديد المهام والمرجعيات، وضمان ألا تتحول القوات المسلحة إلى أدوات للاستقطاب أو لتصفية الحسابات السياسية.

كما أن الحديث عن الأجندات الخارجية يفرض على الجميع مسؤولية التمييز بين المخاوف السياسية والوقائع المثبتة؛ فاستقرار شبوة لا يخدمه التهويل أو إطلاق الاتهامات دون أدلة، وإنما يخدمه كشف الحقائق وتوضيح الأهداف ومناقشة المخاطر بموضوعية ومسؤولية.

وفي هذا السياق، فإن استحضار تجارب سوريا وليبيا والسودان يحمل تحذيراً من النتائج التي قد تترتب على تفكك المؤسسات وتعدد مراكز القوة المسلحة. ولا يعني ذلك أن شبوة محكوم عليها بتكرار تلك التجارب، بل إن الحكمة تقتضي الاستفادة من دروسها قبل أن تتفاقم الأزمات وتصبح معالجتها أكثر صعوبة وكلفة.

إن الحفاظ على أمن شبوة يتطلب موقفاً يتجاوز ردود الفعل والبيانات المتبادلة إلى خطوات عملية، تبدأ بتوضيح طبيعة المعسكرات الجديدة وأهدافها، وتمر بتعزيز التنسيق الأمني والحوار بين القوى المحلية، وتنتهي بإرساء قواعد واضحة تمنع تضارب الصلاحيات وتضمن حماية المواطنين.

كما أن وحدة الصف الجنوبي التي يؤكد عليها البيان لا يمكن أن تتحقق بمجرد رفع الشعارات، بل تحتاج إلى رؤية مشتركة لإدارة الخلافات، واحترام خصوصية المحافظات، وتغليب المصالح العامة على حسابات النفوذ والتنافس.

فالوحدة الحقيقية لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما تعني منع تحوله إلى صراع مسلح، وتوفير ضمانات تحمي المجتمع من الانقسام، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين القوى السياسية والمؤسسات العسكرية والأمنية.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه شبوة ليس اختلاف المواقف السياسية في حد ذاته، بل أن يتحول هذا الاختلاف إلى تعدد في مراكز القوة والقرار، وأن يجد أبناؤها أنفسهم أمام صراعات لا يملكون قرار إشعالها أو إيقافها.

ومن هنا، فإن النداء الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بمحافظة شبوة ينبغي أن يُقرأ باعتباره دعوة إلى فتح نقاش جاد حول مستقبل الأمن في المحافظة، وضرورة حماية الشباب من الاستقطاب، والحيلولة دون نشوء بؤر جديدة للتوتر.

وفي المحصلة، فإن شبوة تستحق أن تكون مساحة للاستقرار والتنمية، لا ساحة لتجاذبات القوى ومشاريعها المتنافسة. والجنوب العربي، بكل ما يحمله من تطلعات سياسية ووطنية، يحتاج إلى مؤسسات قوية ومنضبطة، وإلى وعي اجتماعي يحمي شبابه، وإلى قيادة تجعل أمن الإنسان واستقرار المجتمع في مقدمة أولوياتها.

فالأوطان لا تُحمى بكثرة التشكيلات المسلحة، وإنما بوحدة القرار، وقوة المؤسسات، ووعي المجتمع، والقدرة على تجنيب الأجيال الجديدة صراعات الماضي ومخاطر الحاضر.

وحين توضع حياة أبناء شبوة ومستقبلهم فوق كل اعتبار، يصبح الحفاظ على أمن المحافظة مسؤولية وطنية مشتركة، ويغدو رفض الزج بالشباب في صراعات جديدة موقفاً من أجل الحياة والاستقرار، لا مجرد شعار في معترك السياسة.

الصحفي صالح حقروص
2026/10/22م