الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 06:32 م
كثيراً ما سمعنا مثل هذه المقوله الشعبيه "المنصب غيّره"، وكأن الكرسي عبارة عن تعويذة سحرية نعيد بها تشكيل سلوك الرجال، وكأن الرجل إذا عين في المنصب دخل الى المكتب على استحياء وفي هيئة من الوقار ، ولكن إذا جلس المعين على الكرسي أصبح يتكلم بلغة تحاكي لغة الشياطين.
الحقيقة المجردة والتي تعلمتها في أروقة المحاكم ومن منصات القضاء، أن الكرسي لا يصنع أبداً رجلاً ولا يغير أحداً، إنما يكشف الكرسي عن معادن الرجال.
نحن لا نعير الرجال الاهتمام وهم جلوس على الأرض، فالجميع على الأرض سواسية، ولكن نحن نراهم حين يرتفعون قليلاً ويجلسون على الكراسي، هل سيرتفعون بأخلاقهم أو سيكونون من ضمن القائمة الطويلة التي لا تنتهي ابدا من ضحايا الكراسي
لقد رأيت في حياتي رجالاً جلسوا على الكراسي، ولكن ذهب الرجال وبقي ذاك الكرسي بكل ما فيه من عيوب مصنعيه و غبار، ولم يبق للرجال من ذكر في الشارع سوى من دعوة ممتن أو دعوة مظلوم.
الكرسي ثقيل، أثقل مما يظن الناس، لا يشعر بثقل هذا الكرسي إلا من جلس عليه، فالكرسي ليس عبارة عن خشب وقماش أو وسيله للتفاخر أو للتباهي بل هي أمانة تبرأت من حملها السموات و الأرض والجبال.
أرخص أنواع البشر، هو الذي يقيس مكانته بحجم وقياس الكرسي الذي يجلس عليه، فإذا سُحب الكرسي من تحت يديه، سقطت مكانته وسقط هو، وأصبح لا يساوي شيئاً لأنه لم يصنع لنفسه إرثاً يرفعه في اعين الناس ، فالكراسي لا تصنع التاريخ أبداً.
الكرسي ليس سوى امتحان وليس امتيازاً كما يعتقد البعض ، الله تبارك وتعالى يهب هذا الكرسي لمن هو صالح ولمن هو دون ذلك ، ليس لأجل أن يميز الجالس عليه عن غيره كما يعتقد ويتباهي به البعض ، بل لأجل أن يبتليه ويراه ماذا سيفعل بهذا الكرسي؟ هل سيفتن بهذا الكرسي؟ وهل سيعمي بريق هذا الكرسي بصره ؟ هل سيعدل وهو جالس على هذا الكرسي أو سيظلم ؟ هل سيصدق لسانه وهو جالس على هذا الكرسي أو سينافق؟ هل سيقول "لا" وهو جالس على هذا الكرسي في وجه الباطل أو يشتري "نعم" رخيصة ليبقى؟
الكراسي لها بريقً ولمعان اخاد ً أشبه ببريق السراب يصعب الصمود ومقاومة سحره ، يكافح البعص لأجل الوصول إلى منتهى ألاحلام "الكراسي " وعند الوصول يكتشفون بأن الكراسي عباره عن قماش وخشب ، حتى وان كان الكرسي يبدوا فاتن بألوانه الزاهيه وأشكاله الفاخره ، فهذه الكراسي ليست ثابثه بل تحكمها قوانين "الدوران" .
الكراسي. لاتعرف اسم من كان جالسا عليها و كذلك المناصب فهي مهما ما كانت عاليه سواء كانت هذه المناصب في الجانب الإداري أو في الجانب القضائي فإن مصيرها إلى الزوال ولا يبقى في النهاية إلا ميراث من العمل يُنسب إليك وحدك، سواء كان هذا الميراث عامراً في الخير يمهد لك الطريق نحو قلوب الناس أو كان هذا الميراث عبارة عن صفحات سوداء من الشر يمهد لك الطريق لتاخد دور البطوله في دعوى المظلوم والمكلوم من الناس .
نحن لسنا بحاجه الى مدونه السلوك القضائي تكون عامره ومحشوة بالمثالياث من حيث الشكل بقدر حاجتنا إلى ضمائر حيه تعي بأن حساب الامانات ليس له مكان في الدنيا وكفى بالله حسيباً.