انفوجرافيك | المحرّمي يبحث مع الوزير باذيب استراتيجية تطوير الأداء المؤسسي في قطاعي التخطيط والاتصالات

انفوجرافيك| المحرّمي يطلع على أوضاع الخطوط الجوية اليمنية ويؤكد ضرورة النهوض بقطاع الطيران

انفوجرافيك| المحرّمي يناقش مع وزير الدفاع مستجدات الأوضاع العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية





مقالات


الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 04:38 م

الكاتب: جهاد جوهر - ارشيف الكاتب



منذ انطلاق عاصفة الحزم، وأبناء الجنوب العربي في مقدمة الصفوف، يحملون السلاح ويقدمون التضحيات في مواجهة الحوثيين، بإرادة صلبة وشجاعة لا ينكرها أحد. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل وضوح: هل نقاتل الحوثي من أجل استعادة دولتنا، أم من أجل كسب رضا الرياض والتقرب من حساباتها السياسية؟

إنها مسألة تستحق أن تقف أمامها قيادتنا الجنوبية طويلًا، بعيدًا عن العاطفة والشعارات، وقبل أن نجد أنفسنا نحقق أهداف الآخرين على حساب مشروعنا الوطني.

يا أبناء الجنوب، ليست المشكلة في قتال الحوثي بحد ذاته، ولا في رفض مشروعه الطائفي والعسكري، بل في أن نخوض معارك لا نحدد نحن غاياتها، ولا نملك قرار إنهائها، ثم نكتشف أن تضحياتنا تصب في مصلحة مشاريع سياسية لا تؤمن بحقنا في استعادة دولتنا.

فليس كل عدوٍّ لعدوّك صديقًا لك، وليس كل معركة تنتصر فيها عسكريًا تقرّبك من هدفك السياسي.

قد يقول قائل: إن الحوثي خطر علينا، وإن بقاءه يهدد المنطقة بأكملها، وإن جميع القوى اليمنية المناهضة له لا تختلف في عدائها لمشروع التحرير والاستقلال الجنوبي.

قد يكون في هذا القول جانب من الحقيقة، لكن السياسة لا تُدار بالأحكام العامة وحدها، بل بقراءة المصالح وموازين القوى والنتائج المحتملة لكل معركة.

وهنا تبرز المفارقة التي ينبغي ألا نتجاهلها: إن بقاء الحوثي مسيطرًا على شمال اليمن قد يُبقي خصوم القضية الجنوبية في حالة انقسام واستنزاف، ويحول دون إعادة توحيد القوى اليمنية المناهضة له تحت قيادة واحدة ومشروع سياسي وعسكري متماسك.

أما إذا سقط الحوثي، فقد تتجه تلك القوى إلى إعادة ترتيب صفوفها، وبناء تحالفاتها، واستعادة نفوذها، وربما إعادة إنتاج مشروع الوحدة بصيغة جديدة، ووجوه مختلفة، وخطاب أكثر قبولًا لدى الإقليم والعالم.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا أعددنا لليوم التالي لسقوط الحوثي؟ وهل نملك مشروعًا سياسيًا واضحًا وضمانات حقيقية تحمي تطلعات شعبنا، أم أننا نكتفي اليوم بتحقيق أهداف عسكرية قد يستفيد منها الآخرون أكثر مما نستفيد نحن؟

لا يمكن الجزم بأن سقوط الحوثي سيؤدي حتمًا إلى استهداف المجلس الانتقالي أو إنهاء الوجود السياسي والعسكري الجنوبي، لكن من السذاجة السياسية أن نستبعد احتمال تغيّر مواقف القوى الإقليمية والدولية متى تغيّرت مصالحها. فالتحالفات لا تقوم دائمًا على المبادئ، بل كثيرًا ما تحكمها الحسابات والضرورات.

ولذلك، فإن الرهان على رضا الرياض أو أي عاصمة أخرى بوصفه ضمانة لمستقبل الجنوب رهان محفوف بالمخاطر. فالدول تتحرك وفق مصالحها، وما تراه مناسبًا اليوم قد لا يكون كذلك غدًا.

يا قيادتنا الجنوبية، إن القضية الجنوبية ليست ورقة تفاوض، ولا قوة عسكرية تُستدعى عند الحاجة ثم تُترك لمواجهة مصيرها. إنها قضية شعب قدّم التضحيات من أجل حقه في تقرير مستقبله.

إننا لا ندعو إلى ترك الجنوب فريسة للحوثيين، ولا إلى منحهم فرصة لفرض مشروعهم، بل ندعو إلى أن تكون أي مواجهة عسكرية جزءًا من استراتيجية جنوبية واضحة، تحدد العدو والهدف والضمانات ومصالح شعبنا بعد انتهاء المعركة.

قاتلوا الحوثي إذا كان في ذلك حماية للجنوب وأمنه ومصالحه، لكن لا تجعلوا دماء أبنائنا وسيلة لإثبات الولاء لهذا الطرف أو ذاك. ولا تدخلوا معركة مصيرية اعتمادًا على وعود سياسية قابلة للتبدل، من دون امتلاك أوراق قوة وضمانات تحفظ حق شعبنا.

فإذا كان خصوم المشروع الجنوبي يراهنون على أن الجنوب سيظل يقاتل معارك الآخرين، ثم يعود إلى نقطة الصفر عند التسويات، فإن واجب القيادة أن تُفشل هذا الرهان، وأن تجعل من تضحيات أبنائنا طريقًا نحو هدفهم، لا جسرًا يعبر عليه الآخرون إلى أهدافهم.

إن أخطر ما قد يواجه القضية الجنوبية ليس انتصار الحوثي وحده، بل أن نهزم الحوثي عسكريًا ثم نخسر سياسيًا، وأن ننتصر في الجبهات بينما يُعاد رسم مستقبل الجنوب بعيدًا عن إرادة شعبه.

فالتحرير لا يتحقق بمجرد إسقاط خصم، والاستقلال لا يُمنح مكافأةً على المشاركة في الحروب، بل يُنتزع بمشروع وطني متماسك، وقرار مستقل، وقيادة تعرف متى تقاتل، ولماذا تقاتل، ولصالح من ستكون نتائج المعركة.

لا تقاتلوا لكسب ودّ الرياض، ولا تجعلوا رضا أي عاصمة غايةً لتضحيات الجنوب. قاتلوا بعقل الدولة، وبحسابات القضية، وببوصلة لا تشير إلا إلى مصالح شعبكم وحقه في تقرير مصيره.

فالجنوب الذي قدّم كل هذه التضحيات لا يستحق أن يكون مجرد رقم في حسابات الآخرين، بل يستحق أن يكون صاحب القرار في معركته، والشريك الذي لا يمكن تجاوز إرادته عند رسم مستقبل المنطقة.