الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 12:08 م
لم تعد المعركة التي يخوضها الجنوب اليوم مجرد صراع سياسي عابر، ولا خلافًا إداريًا داخل كيانٍ فقد وحدته منذ زمن، بل أصبحت معركة مكشوفة على الثروة والقرار والسيادة. فما يتعرّض له المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته لا يمكن فهمه بمعزل عن اللحظة التي قرر فيها كسر الصمت، وكشف ملفات ظلّت محمية لعقود، تتعلق بنهب الثروات النفطية والغازية في حضرموت، واستخدامها كأداة لمنع استعادة الدولة الجنوبية.
منذ نهاية ديسمبر 2025، دخل المشهد مرحلة جديدة، بعد أن أعلن المجلس الانتقالي امتلاكه معلومات تؤكد وجود شبكات منظمة تستنزف ثروات الجنوب، وتعيد توجيه عائداتها إلى لوبيات نافذة في الشمال، وأطراف إقليمية، فضلًا عن توظيفها في شراء مواقف دولية مؤثرة، بما يضمن استمرار تعطيل أي مشروع جنوبي للاستقلال. عند هذه النقطة، لم يعد الاستهداف سياسيًا فحسب، بل أصبح اقتصاديًا واستراتيجيًا بامتياز.
التمسك بشعار “الحفاظ على الوحدة اليمنية” لم يعد مقنعًا، لا تاريخيًا ولا واقعيًا. فهذه الوحدة انتهت عمليًا في عام 1994 عندما فُرضت بالقوة العسكرية، وحُوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للنهب والإقصاء والتهميش. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا، لم يجنِ الجنوبيون من هذه “الوحدة” سوى الفقر، وانهيار المؤسسات، وغياب العدالة، في مقابل تضخم ثروات قوى نافذة استفادت من استمرار الأمر الواقع.
التاريخ السياسي للجنوب واضح ولا لبس فيه. دولة استقلت في 30 نوفمبر 1967، ودخلت وحدة طوعية عام 1990، ثم أعلنت استعادة دولتها عام 1994 عندما تبيّن استحالة الشراكة. غير أن الرد لم يكن حوارًا أو انفصالًا سلميًا كما حدث في تجارب وحدوية أخرى، بل حربًا واحتلالًا بالقوة، ما رسّخ جرحًا سياسيًا ما زال مفتوحًا حتى اليوم.
خلال السنوات الأخيرة، ومع بروز المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إماراتي صريح، تغيّرت موازين القوى على الأرض. بُنيت قوات جنوبية منظمة، واستعاد الجنوب جزءًا من أمنه وقراره. ومع اقتراب لحظة الإعلان الدستوري في مطلع 2026، تحوّل القلق الإقليمي والدولي إلى ضغط مباشر، بلغ ذروته بالقصف الجوي السعودي الذي استهدف القوات الجنوبية تحت ذرائع أمنية لم تصمد أمام الوقائع.
فوجود القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة جاء وفق اتفاق الرياض الموقع عام 2019، وبرعاية سعودية ذاتها، كما أن هذه القوات لم تشكّل يومًا تهديدًا للأمن القومي السعودي. ما كان مقلقًا فعليًا هو احتمال انكشاف منشآت نفطية غير قانونية، وشبكات تهريب، ومحطات تكرير تعمل خارج إطار الدولة، وهو ما يفسّر شراسة الرفض لأي وجود جنوبي فاعل في تلك المحافظات.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى محاولة إقصاء دولة الإمارات، الحليف الأكثر ثباتًا في دعم تطلعات الجنوبيين، ثم الانتقال إلى استهداف المجلس الانتقالي ذاته، في مسعى واضح لإفراغ مشروع الاستقلال من مضمونه السياسي والشعبي.
لكن ما يبدو أن هذه الضغوط، على شدّتها، لم تفلح في كسر الإرادة الجنوبية. فالمعركة اليوم باتت أوضح من أي وقت مضى: إما استمرار الجنوب كمنطقة بلا سيادة تُنهب ثرواتها باسم شعارات انتهت صلاحيتها، أو دولة مستقلة تمتلك قرارها وثرواتها وحدودها.
وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس المواقف بحجم الضغوط، بل بقدرة الشعوب على الدفاع عن حقها في تقرير مصيرها. والجنوب، بكل ما يحمله من تاريخ ومعاناة، يبدو أنه اختار طريقه، مهما كانت كلفته.
الصحفي صالح حقروص
2026/2/2م