مقالات


السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 03:27 م

الكاتب: د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب



غادر هذه الحياة الفانية الزميل الكاتب والروائي الأديب الدكتور عبد الله مسعد الشعيبي بعد معاناة قاسية مع أمراض وأوجاع القلب.
منذ نحو شهرين التقيت الدكتور عبد الله مسعد في أحد محلات TESCO التجارية الكبيرة التي يعرفها كل المقيمين في المملكة المتحدة، في مدينة شيفيلد، وكان يتحرك على الكرسي النقال بصحبة زوجته النبيلة أم محمد ابنة المناضل التاريخي الفقيد شعفل عمر علي، لقد انصدمت لهذا المشهد المفاجئ الذي لم أتوقعه، فانا لم أسمع عن تعرضه لحادثٍ ما أو إصابةٍ ما لكنه راح يشرح لي ما يعانيه من حالة خلل في وظيفة القلب وتوسع في الشرح حتى اقتنعت بجدية ما يعانيه، فكثيرون يعانون مثله من مشاكل عمل القلب وأتعابه وما يترتب عليها من آلام، لكنني لم أتوقع أن تصل هذه الحالة إلى هذا المستوى المميت.
الدكتور عبد الله شخصية مبدعة وهو من القليلين الذين يتعاطون مع الأدب وفن كتابة الرواية على وجه الخصوص، وله في هذا المجال العديد من الكتابات فضلاً عن كتاباته الصحفية والسياسية فهو من الناشطين السياسيين ذوي الحضور الطيب على المستوى الإعلامي.
قبل أكثر من عقدين وقعت في يدي روايةٌ تحمل عنوان "جمهورية نهبستان" لكاتب لم أكن قد سمعت عن اسمه الدكتور عبد الله الشعيبي فتوقعت أنه اسمٌ مستعار لأديبٍ مرموق يتهرب من كتابة اسمه الحقيقي نظرًا لما تتضمنه الرواية من نقد حاد هو أشبه بالتشريح الجراحي لمريض يعاني من حالات مرضية فتاكة وقاتلة، حيث كشف عن تلك الأهوال الخطيرة التي يعيشها جسد الجمهورية اليمنية بعد العام 94م، ولم تقتصر أحداث الرواية على التعرض لحالات النهب الرسمي المشرعنة التي قام بها أساطين حرب 1994م على الجنوب، لكنه تغلغل في ثنايا المجتمع القبلي المشحون بالمتناقضات الغرائبية، والذي يجمع بين علاقات القرون الوسطى القبلية العشائرية المتخلفة، وبين ترف وتقنيات أواخر سنوات القرن العشرين، وكشفت الرواية عن المثالب الأخلاقية القاتلة التي تصيب المجتمع اليمني وطبقاته السياسية المهيمنة على صناعة القرار، والتي تخلط بين الادعاء بالروح المحافظة والتمسك بالفضائل والقيم والاخلاقيات العروبية والإسلامية والقبلية الأصيلة، وبين مستوى الفسق والفجور والسقوط الأخلاقي الذي تعيشه أسر أولائك الأدعياء مما يتعفف المرء عن التعرض له.
وحينما وفدت إلى مدينة شيفيلد البريطانية كان الدكتور عبد الله من الذين تشاركنا معًا الانخراط في مناشطَ سياسية وثقافية واجتماعية عديدة، وعرفت منه أنه هو صاحب رواية "جمهورية نهبستان" التي كنت قرأتها قبل سنوات.
قبل انتشار جائحة كورونا في العام 2020م كان الدكتور عبد الله قد عرض علي روايته الأخيرة التي تحمل عنوان "عاشق نسوان" لكتابة مقدمتها لكنني كنت وياللمصادفة قد شرعت في خوض التجربة الروائية الأولى حيث كنت قد بدأت في العمل على روايتي " حنين الأماكن" التي تحولت إلى رباعية صدر منها ثلاثة أجزاء وفي الطريق الجزء الرابع منها، وهذا ليس موضوعنا هنا، فاعتذرت له عن كتابة المقدمة لأنني أؤمن بأن المقدمة يجب أن تقول شيئًا عن عمل تمت قراءته من الغلاف إلى الغلاف وهو ما لم يكن بمقدوري القيام به في تلك الظروف، ولا أخفي هنا أنني قد ندمت لعدم قيامي بهذا العمل رغم أنني لست من النقاد الروائيين المحترفين.
وبعد سنوات سلمني الرواية مطبوعةً مع مقدمة من صفحة واحدة للكاتب المصري الدكتور رياض الفقير، وستكون لي وقفة خاصة مع هذه الرواية بإذن الله.
الدكتور الفقيد عبد الله مسعد من الذين يقرأون، لأن من يكتب لا بد أنه يقرأ ومن لا يقرأ لا يمكن أن يكتب، وكم هم الذين يحاولون الكتابة وتكتشف انهم لا يقرأون لأنهم لو كانوا يقرأون لما خلطوا بين الفكرة والرأي وبين الخبر المنقول والذكرى التاريخية، ولما خلطوا بين التاء المربوطة والهاء، والتاء المفتوحة، وبين الألف المقصورة والألف الممدودة ولما نصبوا المرفوع وكسروا المنصوب، وجرَّوا المرفوع، أما الدكتور عبد الله فإنه ممن يتقنون الكتابة لأنه يتكئ على خلفية ثقافية غزيرة وهو يتمتع بالخيال الواسع وغزارة الفكرة واتساع دائرة التصور والتأمل وإدراك تقنيات السرد الجميل التي تقدم التفاصيل في لوحةٍ متكاملةٍ تتعرض للتفاصيل لتقول شيئًا عامًا عما يحتويه العمل الروائي والإبداعي بشكل عام.
بفقدان الزميل الدكتور عبد الله مسعد الشعيبي فقدتُ صديقًا محترمًا وكاتبًا مبدعًا ومثقفًا نوعيًا يعرف وظيفة الفكرة والكلمة والمقالة والنص الأدبي والروائي منه على وجه الخصوص.
ولا أستطيع أن أخفي شعوري بالحزن والالم الشديدين لهذه الخسارة الكبيرة التي تعرض لها المشهد الثقافي الجنوبي بفقدان هذا الكاتب المبدع والمثقف الجميل.
فالدكتور عبد الله كان ما يزال في سن العطاء ولديه طموحٌ كبيرٌ في مواصلة مشواره الأدبي والفكري لكن الأقدار لا تقبل التحكم بها ولا يستطيع المرء مهما بلغت تمنياته ورغباته أن يحول دون قضاء الله وقدره الجاري على جميع مخلوقاته الصغيرة والكبيرة الضعيفة والقوية،
إنني بهذا المصاب الجلل اتقدم بصادق مشاعر العزاء والمواساة الى أولاده محمد وجلال ونادين وبثينة ووالدتهم الكريمة وإلى جميع أهل الفقيد وذويه وكل محبيه، في بريطانيا وأمريكا وفي عدن وفي مديرية الشعيب ومحافظة الضالع وعموم جنوبنا الحبيب، وحيثما وجدوا، وأخص بالعزاء زملائي وأصدقائي أبناء الجالية الجنوبية في المملكة المتحدة الذين ارتبطوا بالزميل د. عبد الله وشاركوه السراء والضراء، وأبتهل إلى الله العلي القدير أن يتقبل زميلنا العزيز الدكتور عبد الله مسعد الشعيبي برحمته الواسعة وأن يغمره بالرضا والغفران والنور الالهي البهي، وأن يسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والأتقياء والصالحين وأن يلهم كل أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
وانا لله وانا اليه راجعون