انفوجرافيك | المحرّمي يبحث مع الوزير باذيب استراتيجية تطوير الأداء المؤسسي في قطاعي التخطيط والاتصالات

انفوجرافيك| المحرّمي يطلع على أوضاع الخطوط الجوية اليمنية ويؤكد ضرورة النهوض بقطاع الطيران

انفوجرافيك| المحرّمي يناقش مع وزير الدفاع مستجدات الأوضاع العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية





مقالات


السبت - 07 نوفمبر 2026 - الساعة 06:21 م

الكاتب: توفيق جزوليت - ارشيف الكاتب



تطرح قضية القيادات الجنوبية الموجودة في العاصمة السعودية الرياض، والممنوعة من العودة إلى وطنها وأسرها منذ أكثر من سبعة أشهر، إشكالية سياسية وحقوقية تتجاوز مجرد الخلافات في وجهات النظر أو التباينات المرتبطة بالحوار الجنوبي ـ الجنوبي. فوجود هذه القيادات في الرياض، في سياق مشاورات سياسية، ثم استمرار تعذّر عودتها إلى الجنوب، يثير تساؤلات جدية حول الطبيعة القانونية لوضعها، ومدى تمتعها بحرية التنقل والعودة إلى وطنها، وما إذا كانت القيود المفروضة عليها تستند إلى قرارات قانونية معلنة أم إلى اعتبارات سياسية.

إن استمرار هذا الوضع، دون توضيح رسمي لطبيعة الإجراءات المتخذة بحق المعنيين وأساسها القانوني، يضع السلطات السعودية أمام مسؤولية سياسية وحقوقية وأخلاقية تستوجب تقديم إجابات واضحة. فالدعوة إلى الحوار لا ينبغي أن تتحول إلى وضع يقيّد حرية المشاركين فيه، كما أن المشاركة في مشاورات سياسية لا تعني التنازل عن الحقوق والحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التنقل والعودة إلى الوطن والأسرة.

وبصرف النظر عن التوصيف القانوني النهائي لهذه الحالة، فإن استمرار منع أشخاص من العودة إلى وطنهم وأسرهم، دون توضيح رسمي أو إتاحة سبل قانونية فعالة للطعن في القيود المفروضة عليهم، يجعل القضية جديرة بمتابعة حقوقية مستقلة وجادة.

فماذا يقول القانون الدولي؟

إن حرية التنقل والحق في العودة إلى الوطن من الحقوق الأساسية التي كرسها القانون الدولي لحقوق الإنسان.فالمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على حق كل فرد في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.

كما تكفل المادة 27 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان حرية التنقل والإقامة، وتحظر المنع التعسفي أو غير القانوني من مغادرة أي بلد، وتقر بحق العودة إلى الوطن. وتتناول المادة 14 الضمانات المتعلقة بالحرية الشخصية والحماية من التوقيف أو الاحتجاز التعسفي.

وبالتالي، فإن استمرار منع هؤلاء الأشخاص من العودة، دون سند قانوني مشروع أو إمكانية للطعن القضائي الفعّال، قد يشكل انتهاكاً للحقوق والحريات الأساسية، وقد يرقى، إذا ثبت الحرمان الفعلي من الحرية، إلى الاحتجاز التعسفي وفق المعايير الدولية.

إن الاختلاف مع الموقف السياسي السعودي، أو رفض الخضوع لتصورات معينة بشأن مستقبل الجنوب، لا يمنح أي جهة الحق في استخدام حرية الأشخاص وسيلة للضغط السياسي. فالحقوق الأساسية لا ينبغي أن تكون موضوعاً للمساومة أو أداة في إدارة الخلافات السياسية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد تبرير سياسي، بل إجابة قانونية واضحة ومباشرة: ما السند القانوني الذي يمنع هؤلاء القيادات من مغادرة الرياض والعودة إلى وطنهم وأسرهم؟

تدويل الملف حقوقياً : إن التعامل مع هذه القضية يقتضي الانتقال من حدود التصريحات والمواقف السياسية إلى عمل حقوقي مؤسسي يستند إلى التوثيق والأدلة والمرجعيات القانونية الدولية. وينبغي في هذا السياق إعداد ملف حقوقي موحد يتضمن أسماء المعنيين، وشهاداتهم، وتواريخ وجودهم في الرياض، والوقائع المتعلقة بمنعهم من المغادرة، وأي وثائق أو أدلة تثبت سحب جوازات السفر أو تقييد الحركة أو رفض طلبات العودة، متى توافرت.

وبعد استكمال هذا الملف، يمكن تقديمه إلى الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع للأمم المتحدة، وإلى المقررين الخاصين المعنيين بالاحتجاز التعسفي وحرية الرأي والتعبير، كلٌّ في حدود اختصاصه، لطلب النظر في الحالات المعروضة وفحص مدى توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

لا تقتصر المسؤولية على السلطات السعودية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى المنظمات الحقوقية الجنوبية التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في الدفاع عن حقوق المواطنين والقيادات الجنوبية، ومتابعة الانتهاكات المحتملة أمام المؤسسات الحقوقية الإقليمية والدولية.

ومن المؤسف أن يستمر هذا الملف لأكثر من سبعة أشهر دون أن نشهد تحركاً حقوقياً مؤسسياً يتناسب مع خطورته، سواء من خلال إعداد ملفات قانونية، أو التواصل مع المنظمات الدولية، أو ممارسة الضغط الحقوقي والإعلامي المسؤول.

إن الدفاع عن حقوق القيادات الجنوبية لا ينبغي أن يخضع للحسابات السياسية أو لمواقف الاختلاف والاتفاق، بل يجب أن يستند إلى مبدأ أساسي: حماية الحقوق والحريات دون انتقائية.

ينبغي إشراك المنظمات الحقوقية الجنوبية والدولية، وإعداد إحاطة قانونية متكاملة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وتقديمها إلى المؤسسات الدولية والهيئات الحقوقية ووسائل الإعلام.

ويجب أن تستند هذه الحملة إلى الوثائق والشهادات والأسماء والتواريخ والأدلة، بعيداً عن الخطاب الانفعالي أو الاتهامات التي لا تستند إلى معطيات موثقة.

فالهدف ليس الدخول في مواجهة مع الشعب السعودي، ولا الإساءة إلى العلاقات بين الشعبين، وإنما مساءلة الجهات المسؤولة عن الإجراءات المفروضة على القيادات الجنوبية، والمطالبة باحترام حقوقها القانونية والإنسانية.

ما العمل الآن؟ إن الخطوة الأكثر إلحاحاً تتمثل في تشكيل لجنة قانونية وحقوقية جنوبية مستقلة، تتولى توثيق الحالات، والتواصل مع المتضررين وأسرهم، وتمثيلهم قانونياً، وإعداد مذكرة رسمية موجهة إلى السلطات السعودية، بالتوازي مع إخطار الآليات الأممية المختصة ومتابعة الملف حتى تمكين المعنيين من العودة بحرية وأمان.

كما ينبغي أن تتسم المعالجة بالمسؤولية السياسية والحقوقية، وألا تتحول إلى مواجهة مع الشعب السعودي أو إلى دعوات لقطع قنوات الاتصال الدبلوماسي والسياسي، مع تجنب إطلاق اتهامات جنائية قبل استكمال الأدلة والتحقق من الوقائع.

كلمة أخيرة: الحقوق لا تسقط بالخلاف السياسي

إن استمرار منع عدد من القيادات الجنوبية، المنتمية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، من العودة إلى وطنهم وأسرهم، بعد أكثر من سبعة أشهر على وجودهم في الرياض للمشاركة في مشاورات الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، يطرح قضية خطيرة تتجاوز الخلاف السياسي لتدخل في صميم المسؤولية القانونية والأخلاقية للسلطات السعودية.

وإذا ثبت أن منعهم من المغادرة مرتبط بمواقفهم السياسية أو برفضهم الخضوع لتصورات معينة بشأن مستقبل الجنوب، فإننا نكون أمام ممارسة تثير شبهة جدية بانتهاك الحقوق والحريات الأساسية، وتستوجب تحقيقاً حقوقياً مستقلاً وتوضيحاً رسمياً للموقف السعودي.

إن المملكة العربية السعودية، باعتبارها دولة ترتبط بالتزامات حقوقية إقليمية ودولية، مطالبة بتوضيح الأساس القانوني لهذه القيود، وضمان عدم استخدام حرية التنقل والعودة إلى الوطن أداة للضغط في الخلافات السياسية…وفي المقابل، فإن الصمت أو الاكتفاء بالمواقف السياسية لا يخدم القضية، بل يفرض على القيادات الجنوبية والمنظمات الحقوقية تحمل مسؤولياتها في الدفاع عن حقوق المعنيين ومتابعة هذا الملف أمام المؤسسات المختصة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً أمام السلطات السعودية والمنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي هو:

ما المبرر القانوني لاستمرار منع هذه القيادات الجنوبية من العودة إلى وطنها وأسرها؟ وإلى متى ستظل حقوقها وحريتها رهينة وضع سياسي لم يُكشف عن أساسه القانوني؟

وإذا استمر هذا الوضع دون معالجة، فمن حق المتضررين اللجوء إلى الآليات الحقوقية للأمم المتحدة، وفي مقدمتها الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، للمطالبة بفحص قانونية القيود المفروضة عليهم والعمل على إنهائها.

فالحقوق والحريات الأساسية لا ينبغي أن تكون رهينة الخلافات السياسية، والعودة إلى الوطن ليست امتيازاً تمنحه السلطات، بل حق إنساني وقانوني تحكمه قواعد واضحة.

وسيظل السؤال قائماً: كيف يمكن الحديث عن حوار جنوبي حر، وعن احترام إرادة الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، بينما لا يُسمح لعدد من قياداتهم بالعودة إلى وطنهم وأسرهم؟

إن حرية الإنسان ليست ورقة تفاوض، والعودة إلى الوطن ليست منحة سياسية، وكرامة القيادات الجنوبية ليست موضوعاً للمساومة. وعلى الرياض أن تدرك أن احترام الحقوق هو أساس الشرعية الأخلاقية لأي دور إقليمي، وأن التاريخ لا يقيس مواقف الدول بما تعلنه من مبادرات، بل بما تمارسه عندما توضع حقوق الإنسان أمام اختبار حقيقي.