مقالات


الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 03:58 م

الكاتب: عبدالقادر العنقري - ارشيف الكاتب



حين تُزرع العداوة بين الشعوب، وتُغذّى مشاعر الكراهية، فإن النتيجة لا تكون إلا عزلة وسقوطاً في أعين الناس؛ فالشعوب لا تُخدع طويلاً بالشعارات ولا تقبل أن تُعامل بمنطق الوصاية والاستعلاء.

هناك من يعتقد أن التاريخ يمنحه حق السيطرة على الآخرين، وأن المكانة الدينية أو الرمزية تمنح صاحبه تفويضاً للتدخل في شؤون الشعوب وفرض إرادته عليها. لكن الحقيقة أن قيمة الأمم لا تُقاس بما تملكه من رموز ومقدسات فقط، بل بما تقدمه من عدل واحترام وحسن تعامل مع الآخرين.

وجود الأماكن المقدسة ومهبط الرسالة الإسلامية في مكة المكرمة ومسجد رسول الله ﷺ شرف عظيم، لكن هذا الشرف مسؤولية قبل أن يكون امتيازاً؛ فحماية المقدسات ليست بالادعاء ولا بالتفاخر ولا فرض الوصاية، وإنما بالعمل الصالح والعدل وحفظ كرامة الإنسان. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، فالبيت الحرام له حرمة عظيمة، والله سبحانه وتعالى هو الحامي له، كما جاء في قصة أصحاب الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.

التاريخ يعلّمنا أن الأرض التي تحمل مكانة عظيمة قد يخرج منها الصالح والطالح، فالاختبار الحقيقي ليس في المكان ولا في النسب، وإنما في الأفعال والمواقف .. فقد واجه الأنبياء والرسل عبر التاريخ من عاداهم ورفض رسالاتهم، ولم تكن المكانة أو القرب من المقدسات مانعاً من ظهور من يخطئ أو يظلم أو يبتعد عن قيم الدين.

من يحاول فرض الوصاية على الشعوب، سواء في #الجنوب_العربي أو العراق أو سوريا أو السودان أو لبنان أو ليبيا أو غيرها، لن يصنع احتراماً بالقوة ولا بالمظاهر ولا بالشعارات البراقة؛ فالشعوب تُحترم حين تُحترم إرادتها، وتُبنى العلاقات على الندية والمصالح المشتركة، لا على الإملاءات والتدخلات.

قد تُرفع شعارات جميلة، وقد تُزرع كلمات عن الأخوة والمحبة، لكن الشعوب تحكم في النهاية على الواقع لا على الخطابات؛ فالورد الحقيقي هو ما يُزرع بالعدل والكرامة، أما حين يكون الواقع مليئاً بالمعاناة والانقسام والخوف، فإن الشعارات تفقد معناها وتسقط أمام وعي الناس.

استوعبوا الدرس جيداً، وراجعوا حساباتكم قبل أن تصل الأمور إلى مرحلة لا ينفع معها الندم. فالشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تنسى ما تعرضت له من ظلم أو تهميش أو محاولات فرض الوصاية عليها.

أصلحوا ما أفسدتموه، وأعيدوا بناء جسور الثقة قبل أن تأتي لحظة تدفع فيها الأيام ثمن كل موقف وكل قرار. فالتاريخ لا يرحم من تجاهل صوت الشعوب، ولا يبقى فيه إلا أثر الأفعال ومواقف الرجال.

فكم من قوة ظنت أنها باقية إلى الأبد، ثم أصبحت مجرد ذكرى في صفحات الماضي، أزاحها صبر الشرفاء، وثبات أصحاب الحق، ودعوات المظلومين التي لا تضيع عند الله.

العاقل من يقرأ إشارات الزمن قبل أن تتحول العاصفة إلى واقع، ومن يدرك أن احترام الشعوب وكرامتها هو الطريق الوحيد للبقاء.

التاريخ لا يخلّد من حاول إخضاع الشعوب، بل يخلّد من احترمها وترك أثراً قائماً على العدل والإنصاف.